فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 80290 من 466147

وإننا نختم الكلام في هذين النوعين - المهابة التي تمنع الكلام وجذب القلوب-

بشيء من العبرة بما كان لرؤساء الباطنية من الاحترام الروحي في نفوس

أتباعهم ولم يصل الصوفية الصادقون إلى مثل ذلك. قال المؤرخون: إنَّ الحسن

بن الصباح زعيم الإسماعيلية قد استهوى قلوب أتباعه واستحوذ على نفوسهم حتى

كانوا يطيعونه في السر والجهر ولو بما يذهب بأرواحهم. ولقد كان مِن أمره لمّا

أرسل السلطان يطلب منه الطاعة أنْ دعا نفرًا مِن أتباعه وقال لأحدهم: اقتلْ نفسك،

ففعل بدون توقف ولا تردد! وقال لآخر: ارمِ بنفسك مِن هذا الحصن، فرمى

بنفسه ومات! ثم التفت إلى رسول السلطان وقال له: قل لمولاك هكذا يطيعني

سبعون ألفًا من الرعايا الأمناء، فمَن كان هذا شأنه وهذه منزلته في نفوس أتباعه

فكيف تكون مهابته في نفس مَن يحضر مجلسه وكيف يكون انجذاب القلوب المعتقدة

بفضله أو المستعدة لقبول عقيدته إليه وتحويمها عليه؟

الصوفية الذين ينقل عنهم جذب القلوب والتسلط على نفوس المجالسين بالهيبة

والوقار كانت سيرتهم على مقربة من سيرة زعماء الباطنية؛ بل هم فرقة منهم

وتأثيرهم من نوع تأثيرهم، فالمؤرخ لا يكاد يفصل بين هذا وهذا إلا بالانتماء للمذاهب

المعينة كالإسماعيلية وغيرهم، وأما كلامهم في الدين وتفسيرهم للقرآن والحديث فإنه

متشابه؛ لأنهم يقولون فيه أقوالاً تنكرها اللغة وأساليبها وتأباها سيرة السلف الصالح

من الصحابة والتابعين وحجة الفريقين فيها واحدة وهي الاطلاع على الحقائق

الخفية، والوقوف على أسرار الدين الروحانية وقد سلم الناس لهم بذلك تسليمًا لا سيّما

بعد موت العلم بحمل الناس على التقليد وحظر الأخذ بالدليل عليهم، فمَن لا دليل له

يسلم لكل مَن يعظم الناس أمره. وما رأيت في أمر الذين يسمى صنفهم صنف

علماء الدين أعجب من تسليمهم لهؤلاء الباطنية الذين يدعون الولاية كل ما يقولونه

وإن لم توافق تقاليدهم فهم يسلمون لهم القول المخالف بغير دليل ويحجرون على

غيرهم المخالفة بالدليل. وأنت تعلم أنَّ مبنى علومهم كلها على الكشف وسيأتي الكلام

عليه مفصّلاً في النوع الرابع عشر، ولذلك جعلنا هذه المقالة مختصرة حتى نتمكن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت