سمعوا، رأوا فضلاً كبيرًا وعلمًا واسعًا وأمارات تنطق بحسن القصد وإخلاص
القلب من حيث كانوا يتوهمون خلاف ذلك فتحولت قلوبهم مرة واحدة. فهل نقول
إن هذا مِن باب الخوارق وننظمه في سلك الكرامات والسبب فيه معروف والعلة
ظاهرة؟!
حَسْبُ العاقل دليلاً على فتنة الناس بمسألة الكرامات أن يرى العالم الأصولي
منهم (كالتاج السبكي) يعد ميل القلب إلى شخص بعد النفرة منه كرامة له، كأن
الفتنة قد سحرت النفوس وأفسدت العقول وأعمت الأبصار وأصمت المسامع
وساوت بين العَالِم والجاهل والذكي والغبي في عدم التمييز بين المعتاد وخارق
العادة والغفلة عن الوقائع المتشابهة المتماثلة في مثل هذا الأمر التي تقع لمن
يعتقدون كرامتهم ومَن يعتقدون كفرهم أو ابتداعهم، وفي طبقات السبكي كثير من
هذه الوقائع يحكيها هو والمؤرخون عن زعماء الفتن ودعاة البدع، ومؤسسي
المذاهب الباطلة والطرق المعوجة الملتوية، وما رأيت في التاريخ أشد جذبًا
بالنفوس، وتلاعبًا بالعقول من رجال طوائف الباطنية فلقد كانوا يفعلون بالألباب ما
لا تفعل الخمر، ويؤثرون في النفوس ما لا يؤثر عن فعل السحر.
فإن قال قائل: إن جذب أئمة الكفر وزعماء البدع قلوبَ بعض أتباعهم أو
بعضَ الضعفاء المستضعفين لقبول ضلالتهم هو من باب الاستدراج والإملاء
ليسترسلوا في غيهم حتى يأخذهم الله تعالى بالانتقام في الدنيا أو بالموت الذي
يسوقهم إلى الانتقام في الآخرة. وأما أولياء الله تعالى فإنهم يجذبون القلوب إلى
الحق ويؤثِّرون فيها تأثير الخير النافع، وبهذا كان جذبهم من الكرامة دون جذب
غيرهم.
ونقول في الجواب إننا نسلّم بأنَّ ما ذكرتم يصح أنْ يعد كرامة إذا سلمتم معنا
بأنَّ الكرامة ليست من الخوارق الحقيقية وإنما هي من الخصائص الشريفة النافعة
فإنَّ أمرًا يُعقل سببه وتعرف علته ويقع من جميع أصناف الناس ومن أهل كل ملة
ودين لا يصح للعاقل أنْ يجعله من خوارق العادات التي على غير النظام المعهود
والسنن المطردة ولكم بعد ذلك أن تأولوا ما يقع من ذلك للصالحين من أهل الملل
الأخرى فإنه يوجد في كل أمة الصالح والطالح كما لا يخفى على المنصف الخبير.