علم من المقالة الرابعة أن قصارى ما يدل عليه الكتاب هو الإلهام الصحيح للأولى
وتمثل الملك الروح الثانية ومكالمتها وذلك من مقدمات نبوة ولديهما كحبل مريم بنفخ
الروح فيها. فمثل هذا لا يقاس عليه لأنه آية لم تأتِ على قياس؛ لأن زمن النبوة قد
انقطع فلم يبق إلا تحكيم العلم في مسألة الخوارق فما أثبته فهو الثابت وما نفاه فهو
المنفي وما توقف فيه فالوقف حتم إلى أن يتجلى فيه شيء.
(المسألة الثلاثون) لنا أن نجعل الدين معينًا للعلم في البحث عن الخوارق
التي تحقق وقوعها وذلك أن الدين علمنا أن وراء العالم المحسوس عالمًا غيبيًّا لا
تستقل الحواس بإدراكه. ومن حكم الدين في الأخبار بهذا توجيه همة الإنسان إلى
شيء أرقى من هذه المحسوسات التي تشاركه فيها البهائم والحشرات حتى لا يقف
باستعداده غير المحدد عند هذه الحدود القريبة. وإن للعالم الغيبي اتصالاً بعالم
الشهادة المحسوس ومنها أرواحنا التي بها نحيا وندرك.
وهذه المسألة تنفعنا في تعليل كثير من الوقائع التي تسمى خوارق وهي
خوارق عادات حقيقة؛ ولكنها ليست خوارق للسنن الإلهية فإذا لم تظهر لها سنة
حسية جليلة فإن لها سنة معنوية خفية. وهذه التعليلات والتأويلات الآتية من قبيل
تعليل علماء المادة كثيرًا من الظواهر الطبيعية بالأثير يسندون إليه الآثار وإن لم
تدركه الأبصار بل هي أظهر منها وإننا نجعل هذه المسألة آخر المسائل التي نجلي
بها مبحث الخوارق والكرامات. فعلم من هذا أنه ليس في الدين دليل على وقوع
الخوارق لغير الأنبياء إلا في وقائع متصلة بهم ومتعلقة بظهورهم وأن المعول عليه
فيما وراء ذلك هو العلم والاختبار.
وسترى أنواع الخوارق في المقالات التالية وحكم العلم والاختبار فيها.