ما لا يليق بكماله، وقد نطقت به العوالم العلوية والسفلية أي دلت عليه بذواتها
وأصواتها تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (الإسراء: 44) وذهب بعض الناس إلى
أن كل شيء يسبح لله بلسان المقال، ولو كان هذا هو الواقع لقال تعالى: ولكن
لا تسمعون تسبيحهم، ولم يقل: (لا تفقهون) ثم إن الله تعالى لا يبطل سنة من
سنن الكون إلا لحكمة بالغة كإعذار الأمم بآية على يد نبيهم ليؤمنوا فينجوا، أو
يصروا على العناد فيهلكوا بنزول العذاب، فما الحكمة بوقوع هذه الخارقة لرجلين
من أقوى الصحابة إيمانًا، وآية القرآن الذي يتلونه تعلو عندهما على جميع الخوارق؟
والكفار يلحون بطلب الآيات الكونية من النبي صلى الله عليه وسلم، والله يأمره
بأن يتلو في جوابهم: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (العنكبوت: 51) ثم من الذي حدث منهما
بهذه الكرامة مع أن الأصل الذي عليه السبكي وغيره أنه يجب إخفاء الكرامات؟
وإذا قيل: إنهما حدّثا بها لتقوية إيمان بعض الناس نقول: وهل يقوى إلا إيمان من
سمع بأُذنه؟ إذا كان لهذا الأثر أصل فهو أنهما كانا يتكلمان في دلالة الكائنات على
تنزيه مبدعها وغفلة القلوب الضالة من هذا، فقالا ما مثاله: إن هذا الطعام يسبح لله،
أو إننا نسمعه يسبح الله، ومثل هذا التعبير من المجازات الشائعة في اللغة
يسندون النطق إلى الديار والآثار، وينظمون ذلك بالأشعار، أو إنهما لتمكن هذا
المعنى من نفسيهما كان يتجلى لهما في كل شيء، وقد وقع مثل هذا الكثير من
العشاق {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: 165) .
(13) ما اشتُهر أن عمران بن حصين رضي الله عنه كان يسمع تسبيح
الملائكة حتى اكتوى، فانحبس عنه ذلك، ثم أعاده الله عليه، أقول: تقدم في الكلام
على كرامة مريم العذراء عليها السلام أن سماع كلام الملائكة بالإلهامات