العباد؟ وهذا لا يعرف إلا بالشرع، لا سيما عند الأشاعرة، وإمام الحرمين من أجَلّ
أئمتهم، والسبكي من أكبر علمائهم الذاهبين إلى أنه لا حكم قبل الشرع لا في
الأصول ولا في الفروع.
(4) يروى عن ابن عباس - رضي الله عنه: أنهم كانوا بعد الإيمان
على شريعة سيدنا عيسى - عليه السلام - وليس عندنا دليل على أنهم كانوا بعد
عيسى أو في زمنه، وأكثر ما ينقل عن ابن عباس في التفسير لا يصح عنه، وربما
كانوا في زمن تختلف أحواله الطبيعية عن هذه الأزمنة والله أعلم.
(الحجة الرابعة) مما أورده السبكي: التمسك بقصص شتى مثل قصة آصف
ابن برخيا مع سليمان - عليه السلام - في حمل عرش بلقيس إليه قبل أن يرتد إليه
طرفه على قول أكثر المفسرين بأنه المراد بالذي عنده علم من الكتاب، وما قدمناه
عن الصحابة [1] وما تواتر عمن بعدهم من الصالحين وخرج عن حد الحصر. اهـ.
أقول: كان من حقه أن يجعل ما استنبطه من قصص الكتاب حجة واحدة،
وما ورد في غيره حجة واحدة؛ لأن التعدد إنما هو في الجزئيات، ولكنه أراد
التكثير ليجعل حجج الإثبات بعدد حجج الإنكار، والشق الثاني من هذه الحجة هو
عين الحجة الأولى، أما قصة الذي عنده علم من الكتاب فلا تنهض حجة لاحتمال
أنه كان نبيًّا، أو أن الإتيان بالعرش معجزة لسليمان أثبت بها نبوته لملكة سبأ ولا
ينافي هذا أنه جاء على يد غيره؛ لأن ذلك الغير من أتباعه وهو الذي أمره به فكان
آية من الآيات التي أعطاه الله إياها قد استتبعت آية أخرى، ويدل على أن الإتيان
بالعرش من نعم الله على سليمان عليه السلام شكره لله تعالى عليه فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ
عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُر (النمل: 40) فلا يأتي هنا
قولهم: إن المعجزة لابد أن تظهر على يد النبي نفسه، قال البيضاوي في تفسير
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (النمل: 38) ما نصه
(1) هو ما أشرنا إليه في الحجة الخامسة من حجج المنكرين، ووعدنا بسرد تلك الكرامات التي أسندها إليهم والبحث فيها عند ذكر حجج الإثبات، ولكن قد طالت هذه المقالة فاضطررنا إلى تأخير ذلك لمقالة أخرى.