(أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله به من العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوة) ومن المفسرين من قال: إن الذي عنده علم
من الكتاب هو سليمان نفسه، قال البيضاوي: فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم، وأن هذه الكرامة كانت بسببه، وقال: إنه جبريل أو ملك آخر.
فتلخّص مما تقدم أن قصارى ما يحتج به من الآيات الكريمة أن الله أكرم أم
موسى بالإلهام الصحيح، وأكرم السيدة مريم بكلام الملائكة، وليس في شيء من
هذين الأمرين مخالفة لسنن الله تعالى في الخلق، وأن لله تعالى في خلقه آيات لا تنطبق على سنن الكون المعروفة، كحبل مريم وولادتها من غير اقتران برجل، وكالضرب على آذان أهل الكهف سنين عددًا، فأما الإلهام فإنه لا يزال يقع في كل
عصر لأصحاب النفوس العالية، فهو كرامة اختُصوا بها من دون سائر الناس،
وأما كلام الملائكة للناس فلم يثبت لغير الأنبياء بوجه قطعي إلا لمريم، فإن كانت
غير نبية فهو كرامة قطعية لها تدل على جوازه لغيرها، وورد في آثار ظنية وقوع
ذلك لغيرها، ولعل كلامهم لغير الأنبياء من قبيل الإلهام، وقد وفينا هذا البحث حقه
في كتابنا (الحكمة الشرعية) وأما الآيات الأخرى فإنها توجد في كل عصر
ويسميها الفلاسفة (فلتات الطبيعة) والمؤمن يستدل بها على قدرة الله تعالى، ولا
يستنكر أن يكون لها أسباب خفية لم يطلع الله تعالى عليها عباده: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85) .
(( يتبع بمقال تالٍ ) )