وبعد ذلك على المؤمن المنفق أن يُقدر ساعة عطائه أنه ادّخر ليأخذ ، إما أن يأخذ إن طرأت له الأغيار فِي الدنيا ، وإما أن يأخذ من يد الله فِي الآخرة أضعافا مضاعفة. إذن ، فالمنفق هو الذي يُؤَمِّنُ لغير القادر حركته فِي الحياة ضمانا لنفسه حين لا يقدر ؛ أو استثمارا مضاعفا عند الله ، وهؤلاء المنفقون الذين يَسَعُونَ العاجزين بفضل ما لديهم ، يظهرون حكمة الله فِي الوجود ، لأن الله ما دام قد خلقنا ، وفينا القادر ، وفينا العاجز ، فقد أراد الله لنا أن نعرف أن القدرة ليست لازمة فِي الخلق. فإن قدرت الآن فقد تُسلب - بضم التاء - منك هذه القدرة ، وما دامت القدرة يتم سلبها ، فلابد أن يتمسك المؤمن بالقيوم الذي يقيم القدرة لك أيها المؤمن دائما ، وذلك حتى يعرف الواحد منا أنه لم ينفلت من ربه ، خلقنا قادرين وانتهت المسألة. لا. إنّ القدرة أغيار تذهب وتجيء. وما دامت الأغيار تذهب وتجيء فلا بد أن يضع المؤمن نصب عينيه عطاء القادر الأعلى.
وقلنا سابقا: إن الله جعل المنفقين وصفا من أوصاف الذين اتقوا ، والذين أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وذلك حتى يحمى الله الضعيف الذي خلقه الله لحكمة فِي الوجود. إن الإنفاق ليس أخذا من العبد ، إنما هو مناولة ، هذه المناولة تتضح فِي أنه ما كان لك ما يزيد عن حاجتك ، إلا بحركتك فِي الحياة.
وهذه الحركة فِي الحياة تتطلب عقلا يخطط للحركة وجوارح تنفذ المخطط الفكري ، ومادة يتم الفعل فيها سواء كانت أرضا تتم زراعتها, أو آلة يتم الصنع بها ، ولا شيء للإنسان من هذا فِي الكون. إن المخ الذي يدبر هو عطاء من الله ، والطاقة التي تنفذ هي عطاء من الله. ونحن نرى فِي الحياة إنسان قد نزع الله عنه المخ الذي يفكر ويدبر ، ونجد إنسانا آخر قد نزع الله منه الطاقة التي تنفذ ، فقد يمنع الله عن عبدٍ المادة التي يتفاعل معها.