الكهف ثلاثمائة سنة أو أزيد من غير آفة مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب
من جملة الخوارق، ولم يكونوا أنبياء، فلم تكن معجزة فتعين كونها كرامة،
وادّعى إمام الحرمين اتفاق المسلمين على أنهم لم يكونوا أنبياء، وإنما كانوا على
دين ملك في زمانهم يعبد الأوثان فأراد الله أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام ولم
يكن ذلك عن دعوة داعٍ دعاهم ولكنهم لما وفقوا تفكروا وتدبروا ونظروا؛ فاستبان
لهم ضلال صاحبهم، ورأوا أن يؤمنوا بفاطر السموات والأرضين ومبدع الخلائق
أجمعين، ثم أسهب في بيان أنهم لم يكونوا أنبياء، وفي هذه الحجة أبحاث (1) إن
أصحاب الكهف كانوا من آيات الله تعالى لقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ
أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً (الكهف: 9) وقوله تعالى بعد
ذكر حالتهم في الكهف: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} (الكهف: 17) فليس هذا مما نحن
فيه كما سبق القول في حَبَلِ مريم عليها الرضوان، ويوضحه البحثان التاليان له
(2) إن قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} (الكهف: 25) هو من حكاية أقوال المختلفين فيهم، صرح بهذا المفسرون،
ويرجحه على قول من قال: إنه إخبار من الله تعالى أمران: (أحدهما) أن الله
تعالى عندما قص نبأهم بالحق قال: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ
عَدَداً (الكهف: 11) قال البيضاوي وغيره: وهذا يحتمل التكثير والتقليل، وإنما
ذكر التحديد في العدد في سياق حكاية أقوال الخائضين في قصتهم و (ثانيهما) أنه
عقب على هذا القول بقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْض (الكهف: 26) وهو كالصريح في أنه غير صحيح (3) قلنا
في كتابنا (الحكمة الشرعية) : إن مقتضى كلام إمام الحرمين أنهم كانوا مشركين،
ثم هداهم النظر إلى رفض الشرك واعتقاد توحيد الله تعالى كما هو ظاهر القرآن،
وعلى هذا، هل تتحقق في حقهم الكرامة التي اشترطوا فيمن تظهر على يديه أن
يكون مؤمنًا ظاهر الصلاح، وعرفوا الصلاح بالقيام بحقوق الله تعالى وحقوق