الحيوانات، ومنهم من ارتقى به هذا الوهم، فأضافها إلى بعض البشر، إلى غير
ذلك من النِحَل التي لا تحصى، وشبهة الذين أشرنا إليهم هي ما شاهدوه من
المظاهر العجيبة التي أظهر الله تعالى بها الشمس والنار، أو قوة الحرارة وما خص
به بعض الحيوان من المنافع أو المضار، وما ظهر على أيدي بعض البشر من
الخوارق والعجائب التي لم تُعْهَد من أمثالهم، قالوا: ولولا أن سر الألوهية في هذه
الأشياء لما وجدت فيها تلك الخصائص أو المنافع دون غيرها، والحاصل أن البشر
يشعرون بفطرتهم أن للعالم إلهًا ومدبرًا به قامت الأكوان [2] ، ولما كان غيبًا مطلقًا
لم تهتد نفوسهم إلى التوجه إليه وعبادته وتعظيمه إلا بتقييده لما يعرفون، فكان من
أمرهم ما كان.
فتبين بهذا أن العقل البشري لا يستقل بما يجب من المعرفة الحقيقية لله تعالى،
وما ينبغي أن يقوم له به العبد من العبادة والشكر في مقابلة نِعَمه التي لا تُحصى،
ولذلك تفضل سبحانه وتعالى على الخلق فأرسل إليهم رُسلاً من أنفسهم جعلهم سفراء
بينهم وبينه في بيان ما يرضيه من الناس أن يكونوا عليه، وأيدهم بما يدل على
صدقهم من خرق بعض تلك النواميس على أيديهم، ووقوع بعض الأمور على
خلاف ما تقضيه السنن المطردة التي لم يعهد فيها خرق وانتقاض، أو فعل شيء لم
يعهد في العالم، ولا دخل فيه للبشر بصناعة ولا كسب، بحيث يجزم العقل بأنه لا
يقدر على ذلك إلا الذي سَنَّ تلك السنن ووضع تلك النواميس وأبدع جميع الأشياء
بقدرته الباهرة، فهدى الله تعالى بهم من شاء من الخلق فعرفوه بما يجب أن يُعرف
به، وعبدوه بما يجب أن يعبد به، وقد مضت سنة الأولين بأن المؤمنين بالأنبياء
يكونون في زمنهم بغاية الطاعة والخضوع وكمال الانقياد للشرائع والاتباع للهدى،
وأنه كلما طال الأمد على البعثة، وبعُد العهد بالأنبياء تقسو القلوب، ويميل الناس عن
الحق، ويؤولون تعاليم أنبيائهم بحيث تنطبق على أهوائهم، ومنهم من حَرَّفوا حتى في
اللفظ، ومن نسوا حظًّا مما ذكروا به، فكان لذلك من رحمة الله تعالى بعباده أنه كلما
طال الزمن من بعد رسول يبعث إليهم رسولاً آخر حتى ختم الله النبيين بالسيد