بحسن النسبة و (طلبًا لأن يعصمها ويصلحها) بتفاؤل كون ولدها عابدة معصومة عن الرذائل
بذلك التَّسْميَة فالْجُمْلَة إنشائية كما أشرنا إليه (حتى يكون فعلها مطابقًا لاسمها) .
قوله: (فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة) هذا حاصل الْمَعْنَى؛ إذ قد مَرَّ في سورة
البقرة أن مريم بمعنى الخادم وهناك تفصيل.
قوله: (وفيه دليل عَلَى أن الاسم والمسمى والتَّسْميَة أمور متغايرة) تغاير التَّسْميَة
لهما مما لا خفاء فيه، وأما بين الاسم (والمسمى) فقد طولوا الْكَلَام فيه حيث اختلفوا
في أن الاسم عين المسمى أو غيره، والْمُصَنّف قد أَشَارَ إلَى تفصيله في تفسير الْبَسْمَلَة
وأوضحنا المرام هناك وجه الدلالة هُوَ أن المسمى هُوَ الْمَفْعُول الأول والاسم الثاني
وهما متغايران وإلا لزم جعل الشيء نفسه وصيرورة الْكَلَام بلا فَائدَة، ولما كانت
(التَّسْميَة) فعل المتكلم يجب أن يكون مغايرًا للاسم والمسمى؛ إذ هما ليسا فعل
المتكلم صيغة الْمُضَارِع لحكاية الحال الْمَاضية أو للدلالة عَلَى الاسْتمْرَار؛ إذ الاستعاذة
قبل الوضع كما يفهم من الْحَديث الآتي.
قوله: (أجيرها بحفظك) إشَارَة إلَى الْمُضَاف الْمَحْذُوف؛ إذ الإيجاز بحفظه تَعَالَى، وإنما
قالت أعيذها ولم تقل أعوذ لوجودها لكن الإجارة فعل الله تَعَالَى ولذا قالت أعيذها بك أي
بحفظك، وإنما أسندت إلَى نفسها؛ لأنها سبب لدعائها به قيل في تفسير قَوْلُه تَعَالَى(وَهُوَ
يُجِيرُ)وهو يغيث من يشاء ممَنْ يَشَاءُ من أجرت فلانًا من فلان إذا أغثته
منه ومنعته منه. قوله (وذريتها) فيه إشَارَة إلَى طلب ذرية لمريم وقد أحسن الله تَعَالَى
ذرية طيبة وقد مَرَّ أن الذرية تطلق عَلَى الواحد والجمع.
قوله: (من الشَّيْطَان الرجيم) أي من من الشَّيْطَان وإغوائه وإلى ذلك إشَارَة في الخبر الآتي.
قوله: (المطرود) أي من رحمة الله ولطفه أو الملعون أو المرجوم بالشهب فالرجيم
فعيل بمعنى الْمَفْعُول (وأصل الرجم الرمي بالحجارة) ثم استعير للطرد لأنه لازم له.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
شيء . يعني توسلت بهذا الاسم إلَى الله تَعَالَى في طلب عصمتها. وقيل الأقرب أن يقال إليه صلة
التقرب وأن يعصمها مَفْعُول الطلب عَلَى طريقة اللف والنشر وحِينَئِذٍ يظهر الْمَعْنَى وهذا مختار
المص رحمه الله حَيْثُ جعل إليه صلة التقرب بأن قدمه عَلَى الطلب وأخَّره صاحب الكَشَّاف وعن
الطلب فاختلف الشارحون في أنه صلة أيهما من التقرب والطلب. أقول: ليت شعري كَيْفَ يكون
مجرد ذكر تسميتها بمريم مقربًا [لها] إليه تَعَالَى [بل] يكون بسَبَب العبادات، ومجرد الْإخْبَار عن تسمية
بنتها بمَريَم ليس عبادة فَكَيْفَ يكون ذلك الْإخْبَار مقربًا إلَى الله تَعَالَى اللهم إلا أن يقال إن في ذلك
عمل القلب حيث اعتقدت أن الله تَعَالَى مستعاذ يجير من يستعيذ به عَمَّا يخافه ولذا سميت بنتها
مريم أي [العابدة] لكن الشبهة بعد باقية لأن القرب حِينَئِذٍ ما في القلب من الاعتقاد بالحق لا الْإخْبَار
بأن في قلبي اعتقادًا كذا.