وإن أمكن توجيهه بأنه أجرة وجزاء بمقتضى وعده، كَمَا صَرَّحَ به في تفسير قَوْلُه تَعَالَى
(جَزَاءً منْ رَبّكَ عَطَاءً حسَابًا)
قوله: (والْمَعْنَى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم) انتسابكم أيها الْيَهُود
إليهم إلَى الأمة بكونكم من ذريتهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم لأن انتفاع أعمالهم مقصور
عليهم لا بتجاوز إلَى غيرهم وهذا حاصل ما فهم من القصر الذي حصل من تقديم لها عَلَى
ما كسبت لأنه لما كان ما كسبت وهو أعمالهم مقصور عَلَى الاتصاف بكونها للأمة يكون لا
جرم انتفاع أعمالهم مقصورًا عليهم، فلا وجه لحمل كلامه عَلَى أنه أَشَارَ إلَى أن القصر من
قبيل قصر المسند عَلَى المسند إليه؛ إذ لا يفهم هذا الحصر من التقديم الْمَذْكُور وكذا الْكَلَام
في قَوْله تَعَالَى (ولكم ما كسبتم) ، أي الْأَعْمَال الصالحة التي كسبتموها
مقصور انتفاعها عليكم ولا ينتفع بها غيركم، ولم يتعرض لذلك لأن عملهم فرضي لا
تحقيقي. قوله: والْمَعْنَى فيه تنبيه عَلَى وجه مناسبة الْيَهُود لما قبلها، وذلك أن الْيَهُود لما ادعوا
أن يَعْقُوب أوصى بنيه بالْيَهُودية وأبطلهم بقَوْلُه تَعَالَى (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ)
الآية. ثم هذه الدعوى الباطلة تتضمن ادعاءهم أنهم منتفعون بأعمالهم فرد عليهم بقوله (تلك)
أي هَؤُلَاء الرسل أمة أي جماعة عظيمة بحَيْثُ يصح أن يطلق عَلَى كل واحد منهم أمة. قال
تَعَالَى (إنَّ إبْرَاهيمَ كَانَ أُمَّةً) الآية. وإن لم يكن ذلك هنا مرادا لكونه مجاز
ألا يصار إليه ما لم تتعذر الْحَقيقَة مع عدم كونه مَجَازًا مُتَعَارَفًا (قد خلت) صفة الخبر وهو (أمة)
أي مضت بالموت وانفردت عمن عداها، وأصله الْأَرْض التي لا أنيس بها، ويلزمه الانفراد قد
مرَّ بيانه في قَوْله تَعَالَى: (وإذا خَلَوْا إلَى شَيَاطينهمْ) الآية.
قوله: (وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم) حاصل معنى قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ)
وإياك وأن تظن أنه إشَارَة إلَى قصر المسند عَلَى المسند إليه لما عرفت من أن مثل هذا
الْكَلَام لا يفيده ذلك، وإنما مراده بيان حاصل المعنى يعرف بالتأمل وفي كلامه إشَارَة إلَى أن
الانتفاع بالْأَعْمَال الموافقة لما ثبت بالوحي فإن لكم ذلك، وأما النسب فلا يفيد قطعًا بلا
أعمال صالحة فالْمُرَاد بقوله (وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ) المكسوب الذي هُوَ موافق
للشرع لا الذي هُوَ باتباع الهوى، والتقليد بأهل الباطل [والهوى] فظهر أن الْأَعْمَال الصالحة
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والْمَعْنَى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم. وفي الكَشَّاف: والْمَعْنَى أن أحدًا لا
ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخّرًا فكما أن أُولَئكَ لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكَذَلكَ أنتم لا
ينفعكم إلا ما كسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم ونحوه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"يا بني هاشم لا يأتيني"
النَّاس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم"."
قوله: وذلك أنهم افتخروا. تعليل لقوله (تلك أمة) وفيه إشَارَة إلَى وجه ارتباط النظم كأن الْيَهُود
لما ادعت تلك الدعوى الباطلة وهي أنه ما ما مات نبي إلا عَلَى الْيَهُودية، ورُدُّوا بقوله(أَمْ كُنْتُمْ
شُهَدَاءَ)قَالُوا هب أن الأمر كَذَلكَ أليسوا بآبائنا وإليهم ينتهي نسبنا مفتخرين بذلك.
وحاصله أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره.