(قَلِيلًا) فالتخيير بين أمور ثلاثة: قيام النصف بتمامه، وقيام الناقص منه، وقيام الزائد عليه.
وعلى هذا وصف النصف بالقلة بالنظر إلى الكل. وفيه إشارة إلى أنَّ النصف المعمور بالعبادة
وذكر اللَّه تعالى جلّ الليل، والنصف الخالي عنه نزر قليل وإن ساواه كمًّا ويجوز أن يكون
الضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للأقلّ من النصف كالثلث، والتخيير بينه وبين الأقل منه
كالربع، والزائد عليه كالنصف. وعن الأخفش:" (نِصْفَهُ) عطف على (الليْلَ) بمقدّر"
أي. قم الليل إلا قليلاً، أو قم نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه". فالتخيير بين أربعة أمور روى مسلم"
عن عائشة - رضي الله عنها:"أن قيام الليل كان فرضاً بأول هذه السورة فقام"
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت وجوههم، فنسخه آخر
السورة فصار تطوعاً". وعن ابن جبير: نسخ بعد عشر سنين. وقيل: نسخ عن الأمة"
فقط. (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) اقرأه على مهل وتؤدة لتتمكن من التأمل والتدبر في دقائقه
وحكمه، فيكون قيامك في الليل الذي هو أشرف الأوقات على أكمل الأحوال. شبه
القراءة المتصلة بالثغر المرتل، وهو المُفَلَّع الشبيه بالأُقْحُوَان.
(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)
اعتراض دل به على أن قيام الليل من التكاليف
الشاقة التي ورد بها القرآن، لأن الليل محل الراحة، فإحياؤه بالعبادة مضاد للطبع، وفيه إيقاظ له
على التشمر لتحمله، وتوطن النفس على المكابدة في تبليغه وتحميله. روى البخاري عن
عائشة رضي اللَّه عنها:"رأيته في اليوم الشديد البرد ينزل عليه الوحي، وإن جبينه ليتصفد"
عرقاً". وقيل: ثقيل في الميزان، أو على الكفار، أو على المتأمل، لافتقاره إلى إتعاب"
القريحة في استنباط معانيه، أو ثقيل تلاوته على الوجه المنزل؛ ولذلك خفف عن هذه الأمة
بالقراءة على سبعة أحرف، أو على الراسخين، لاشتماله على المحكم، والمتشابه، والناسخ،
والمنسوخ. وعلى الأوجه: الجملة تعليل للأمر بقيام الليل، لأنه يعد للنفس ما يه يعالج ذلك
الثقل.
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ ...(6)
قيامه، مصدر نشأ، قام بالحبشية. وقيل: ساعاته، لأنها