وإذا جعلت"مْن"بمعنى"ما"في موضع نصب، كان فيه دليل قوي على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة قوية على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدَّره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه بقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟!
وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [فاطر: 8] .
وقال: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ، فكلُّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
وكذلك يكون المعنى إذ جعلت"مَن"في موضع رفع اسم الله جل ذكره ويكون التقدير: ألا يعلم الخالق خلقه وهو ما في الصدور، ومن خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور وغيره.
وقال أهل الزيغ:"مَن"في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. انتهى انتهى {الهداية إلى بلوغ النهاية} ...