فإن قيل: ما الفائدة في تكرار قوله:"فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبانِ"الجواب أن ذلك التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها.
قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز ، لأن افتنان المتكلِّم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام على فنٍّ واحدٍ ، يقول القائل منهم: واللهِ لا أفعله ، ثم واللهِ لا أفعله ، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع مِنْ أنْ يفعله ، كما يقول: واللهِ أفعلُه ، بإضمار"لا"إذا أراد الاختصار ، ويقول القائل المستعجِل: اعْجَل اعْجَل ، وللرامي: ارمِ ارمِ ، قال الشاعر:
كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ له وَكمْ وَكمْ ...
وقال الآخر:
هَلاًّ سَأَلْتَ جُمْوعَ كِنْ ...
دَةَ يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنا
وربَّما جاءت الصِّفة فأرادوا توكيدها ، واستوحشوا من إعادتها ثانيةً لأنها كلمة واحدةٌ ، فغيَّروا منها حرفاً ثم أتبعوها الأولى ، كقولهم: عَطْشَانُ نَطْشَان ، وشَيطان لَيْطان ، وحَسَنٌ بَسَنٌ.
قال ابن دريد: ومن الإتباع: جائع نائع ، ومليح قريح ، وقبيح شَقِيح ، وشَحيح نَحيح ، وخَبيث نَبيث ، وكَثير بَثير ، وسيِّغ لَيِّغ ، وسائغ لائغ ، وحَقير نَقير ، وضَئيل بَئيل ، وخضر مضر ، وعِفْريت نِفْريت ، وثِقَةٌ نِقَةٌ ، وكِنٌّ إنٌّ ، وواحدٌ فاحدٌ ، وحائرٌ بائرٌ ، وسَمْحٌ لَمْحٌ.
قال ابن قتيبة: فلمّا عَدَّد اللهُ تعالى في هذه السورة نعماءَه ، وأذكَرَ عِبَادَه آلاءَه ، ونبَّههم على قُدرته ، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نِعمتين ، ليُفَهِّمهم النِّعم ويُقَرِّرهم بها ، كقولك للرجل: أَلم أُبَوِّئْكَ مَنْزِلاً وكنتَ طريداً؟ أفتُنْكِرُ هذا؟ ألم أحُجَّ بك وأنت صَرُورَةٌ؟ أفَتُنْكِرُ هذا؟.
وروى الحاكم أبو عبد الله في"صحيحه"من حديث جابر بن عبد الله قال: