فقال: دعني من تخويف البشرية، إني دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل، فرأيت فيه رجلا أبيض الرأس واللحية، أشعث أغبر، نحيفا، كأنه خرج من قبره، ذا منظر يهول وهو يصلي، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، وقال لي: الصلاة، وقام إلى الصلاة، فلم يزل راكعا ساجدا حتى صلى العصر واستند إلى حجر كان بإزاء محرابه، وهو لا يكلمني، فبدأته الكلام، وقلت له: يرحمك الله أوصني بشيء أنتفع به، وادع لي بدعوة.
فقال لي: يا بني، من آنسه الله سبحانه بقربه، أعطاه أربع خصال: عزا من غير عشيرة، وعلما من غير تعلّم، وغنى من غير مال، وأنسا من غير جماعة، ثم شهق شهقة لم يفق منها إلا بعد ثلاثة أيام، حتى ظننت أنه ميّت، فلما أفاق قام وتوضأ من عين كانت إلى جنبه وسألني عما فاته من الصلاة، فأخبرته، فقضاه، ثم قال لي:
إن ذِكْر الحبيب هيّج قلبي ... ثم حب الحبيب أذهل عقلي
وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين. وأنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام.
فقلت: يرحمك الله، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة منك. فقال: أحبّ مولاك ولا تحب غيره، ولا ترد بحبّه بدلا، فالمحبون لله سبحانه هم تيجان العبّاد، وأعلام الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه.
ثم صرخ صرخة ووقع فحرّكته، فإذا هو ميّت، فما كان إلا هنيهة، وإذا بجماعة من العباد قد انحدروا من الجبل فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، فسألتهم ما اسم هذا الشيخ الصالح؟ فقالوا: شيبان المصاب.
قال سالم: فسألت عنه أهل الشام فقالوا نعم، رجل مجنون، خرج من أذى الصبيان، فقلت لهم: هل تعرفون من كلامه شيئا؟ قالوا: نعم كان إذا ضجر يقول: إذا أنا بك لم أجن سيدي فبمن أجن. رحمه الله ونفعنا به. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...