ولما درب عباده في هذه السورة بصفة الربوبية كثيراً ، فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب ، وكانت العبادة لا تكون خالصة إلا إن علقت بالذات لا لشيء آخر ، ذكر اسم الذات فقال: {إلى الله} أي إلى الذي لا مسمى له من مكافئ ، وله الكمال كله ، فهو في غاية العلو ، فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده ، ولا يقر سبحانه.
إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية ، وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين ، فتنقل السياق بالتحذير والاستعطاف والاستدعاء ، فهو من باب"لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك"واستمر إلى آخر السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره ، ثم علل بقوله مؤكداً لما لهم من الإنكار: {إني لكم منه} أي لا من غيره {نذير} أي من أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده.
لما أقام الدليل العقلي الظاهر جداً بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في هذا الكلام الوحيد قال: {مبين} ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً ، ومن الكسل إلى التشمير حذراً وحزماً ، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء ، وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود ، ومن الرسوم إلى الأصول ، ومن الحظوظ إلى التجريد ، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق إشهاداً في شهود جلاله واستغراقاً في وحدانيته ، قال القشيري: ومن صح فراره إلى الله صح فراره مع الله - انتهى.
وهو بكمال المتابعة ليس غيره ، ومن فهم منه اتحاداً بصفة أو ذات فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه الله.