قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه عبر بالاسم المقتضي للثبوت، وسلام الملائكة بالنقل فجرى على أسلوب قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) ، انتهى، ويعترض هذا التأكيد فإن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر المفيد إزالة الشك من الحديث، فناب التأكيد مناب الثبوت الذي زاد به سلام إبراهيم فاستويا فليس أحدها أبلغ من الآخر، وجوابه: أن التأكيد بالمصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث في الخبر لأنه غير مشاهد، فإذا قلت: قام زيد، احتمل الحقيقة والمجاز، فأتى بالمصدر لرفع المجاز وتعيين إرادة الحقيقة، وأما الإنشاء فلا يزيد المصدر فيه، وذلك أن الإنسان إذا قال: بعت لزمه البيع، وليس فيه مجاز، وهذه الآية السلام فيها من قبيل الإنشاء لَا من قبيل الخبر، فلم يزد فيها المصدر زيادة؛ فبقى الأمر على ما كان عليه من اقتضاء الفعل التجدد والاسم الثبوت، فسلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبلغ من سلام الملائكة.
فإن قلت: المصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث فهو يفيد تحقيق وقوع السلام منهم على ما هو عليه، وهو مدلول عليه بلفظ الفعل المقتضي للتجدد، فكان قبل المصدر
محتملا؛ لأن يكونوا أرادوا السلام حقيقة، أو معنى آخر يقاربه، وعلى تقدير أن يريدوه فهو سلام لمجرد ...] فأزال المصدر الاحتمال الأول وبقي الثاني، قلت: التأكيد بالمصدر يزيل الشك عن الحديث فقط، والأمر أن يصيره كلام إبراهيم ويقوم مقام الثبوت فيه، فلما كان أبلغ فلا جواب عنه إلا ما قلنا، وتقدم في سورة هود تمام الكلام في هذا. الفخر في سورة براءة عند قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) في قول الرجل لغيره: (سلام عليك) لطائف، قال: ذكرتها وإن كان لا يناسب ذكرنا هذا الموضع خشية أن تضيع.