قيل: جمع أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ الناس ليلة لسمره، فلما أخذوا مجالسهم قال: أخبروني بسابق الشّعر والمصلّي والثالث والرابع؟ قالوا:
ليخبرنا الأمير أعزّه الله. قال سابق الشعر: قول المرقّش:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغلو لا يعدم على الغيّ لائما
والمصلّي: قول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
والثالث: قول النابغة الذبيانيّ:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟!
والرابع: قول القطاميّ
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
وقال آخر:
أيّها القلب لا ترعك الظّنون ... فعسى ما تخافه لا يكون
وعسى ما استشدّ واستص ... عب السّاعة من بعد ساعة سيهون
إنّ ربّا كفاك بالأمس ما كا ... ن سيكفيك في غد ما يكون
(أنصاف أبيات)
وجرح اللّسان كجرح اليد
وكيف التّظنّي بالإخاء المغيّب
رضيت من الغنيمة بالإياب
وبالإشقين ما وقع العقاب
أخنى عليه الّذي أخنى على لبد
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
وليس وراء الله للمرء مذهب
وربّ امرئ ساع لآخر قاعد
وفي طول عيش المرء برح وتعذيب
فكيف بمن يدمي وليس برام
كصدع الزّجاجة لا يلتئم
فقلت: اطمئنّي أنضر الرّوض عازبه
والحوض منتظر ورود الوارد
يدي عوّلت في النّائبات على يدي
وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
لو لم يحرج اللّيث لم يخرج من الأجم
وفي بعض القلوب عيون
وزلّة الرّأي تنسي زلّة القدم
إذا الشّمس لم تعرف فلا طلع البدر
ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
من قرّ عينا بعيشه نفعه
وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
وقد تجمد العينان والقلب موجع
وقد يعثر السّاعي إذا كان مسرعا
قد يوثق المرء أمرؤ وهو يحقره
والقول تحقره وقد ينمي
(فصل: من كلام الحكماء في معان شتّى)
قال بعض الحكماء لابنه: يا نبيّ، إنّ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار حين يلتقون كائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد قلوب الفجّار من الائتلاف وإن طال تعاشرهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على آريّ واحد.
وقال بعض الحكماء: ما يمرّ يوم إلا وتضحك ثلثة من ثلثة: الأجل من الأمل، والتقدير من التدبير، والقسم من الحرص.