قال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: من صلى الصلوات الخمس .. فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس .. فقد شكر والديه. وفي الحديث:"من أحب أن يصل أباه في قبره .. فليصل إخوان أبيه من بعده، ومن مات والداه وهو غير بار لهما، وهي حي .. فليستغفر لهما ويتصدق لهما حتى يكتب بارًا لوالديه، ومن زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة .. كان بارًا".
فَإِنْ قُلْتَ: كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟
قلت: هما من الجمل الاعتراضية التي لا محل لها من الإعراب، اعترض بها بين كلامين متصلين معنًى، تأكيدًا لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك.
فَإِنْ قُلْتَ: لم فصل بين الوصية ومفعولها بقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ؟
قلت: تخصيصًا للأم بزيادة التأكيد في الوصية، لما تكابده من المشاق.
15 -وبعد أن ذكر سبحانه وصيته بالوالدين، وأكد حقهما ووجوب طاعتهما، استثنى من ذلك حقوقه تعالى؛ فإنه لا يجب طاعتهما فيما يغضبه، فقال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ} ؛ أي: وإن كلفك الولدان أيها الإنسان وحملاك {عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي} في العبادة {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ} ؛ أي: بشركته إياي في استحقاق العبادة {عِلْمٌ} أراد بنفي العلم به نفيه من أصله؛ أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء، يريد الأصنام {فَلَا تُطِعْهُمَا} في الشرك، يعني أن خدمة الوالدين وطاعتهما - وإن كانت عظيمة - فلا يجوز للولد أن يطيعهما في معصية الله تعالى، أيًا كانت شركًا أو غيره؛ أي: فلا تطعهما فيما أمراك به، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به.
روي أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، قال: لما أسلمت .. حلفت أمي لا تأكل طعامًا، ولا تشرب شرابًا، فناشدتها أول يوم فأبت، وصبرت، فلما كان اليوم الثاني ناشدتها فأبت، فلما كان اليوم الثالث ناشدتها، فأبت، فقلت: والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت واحدة واحدة .. لم أدع ديني هذا، فلما رأت ذلك منى وعرفت أنني لست تاركًا له أكلت.