{وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] فإذا تغير الوضع ، وأصبح الأب والأم مدعاة للشرك ، ومصدرا للعصيان ، فلا سمع ولا طاعة ولا استجابة لصوت الضلال ، مهما بذلا من جهد ، ومع كل ذلك فقد ختم الله جل ثناؤه الآية الكريمة بوجوب صحبتهما بالمعروف والإحسان إليهما في الدنيا حتى ولو كانا مشركين ، لأن حقهما على ولدهما عظيم ، وكفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحملاها في تربية الولد ، فالإحسان إليهما واجب ، وطاعتهما في معصية الله ممنوعة ، واتباع سبيل المؤمنين الصادقين هو الطريق السوي الذي يوصل إلى رضوان الله تعالى .
سبب النزول
روى الحافظ (ابن كثير) في تفسيره عن (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه أنه قال: (كنت رجلا برا بأمي ، فلما أسلمت ، قالت يا سعد: ما هاذ الدين الذي أراك قد أحدثت! لتدعن دينك هذا ، أو لا آكل ، ولا أشرب ، حتى أموت فتعير بي ، فيقال: يا قاتل أمه ، فقلت لها: يا أمه لا تفعلي ، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبدا) !!
قال: فمكثت يوما وليلة ولم تأكل ، فأصبحت وقد جهدت ، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل ، فأصبحت قد اشتد جهدها . . فلما رأيت ذلك جئت إليها فقلت: يا أمه ، تعلمين والله ، فإن شئت فكلي وإن شئت فدعي . . فلما رأت صلابته في دينه أكلت فأنزل الله عز وجل {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ...} الآية .
[لطائف التفسير]
اللطيفة الأولى: ذكر الله سبحانه وتعالى في الوصية (أمر الوالدين) ثم نوه بشأن الأم خاصة ، فهو من باب ذكر (الخاص بعد العام) لزيادة العناية والاهتمام ، ولبيان أن حق الأم على الولد أعظم من حق الأب ، وقوله تعالى: {حملته أمه وهنا على وهن} هذه جملة اعتراضية .