وتأمل منذ خلق الله الكون كم جيل من البشر انتفع بالشمس؟ ومع ذلك انذثروا جميعاً ، وما زالت الشمس باقية ، كذلك القمر والهواء والجبال . . الخ . فكيف وأنت سيد هذا الكون يكون خادمك أطول عمراً منك؟
إذن: على العاقل أن يتأمل ، وعلى الإنسان الذي كرَّمه الله على سائر المخلوقات أن يقول: لا بُدَّ أن لي عمراً أطول من عمر هذه المخلوقات التي تخدمني ، وهذا لا يتأتى إلا حين تصل عمرك في الدنيا بعمرك في الآخرة ، وهذا يستدعي أن تؤمن بالله وألاّ تشرك به شيئاً ، فهو وحده سبحانه الذي خلق لك هذا كله ، وأعدّه لخدمتك قبل أن توجد:
واقرأ:
{هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ . .} [لقمان: 11]
فكيف تدعي أن لله شركاء في الخَلْق ، وهم أنفسهم لم يدَّعوا أنهم آلهة ، أو أنهم خلقوا شيئاً في كون الله؟ كيف وأنت تسير في الصحراء ، فترى الحجر يعجبك فتأخذه وتُسوِّيه وتجعله إلهاً ولو هبَّتْ الريح لأطاحتْ به؟
ثم ما المنهج الذي جاءتكم به هذه الآلهة بِمَ أمرتكم وعَمَّ نهتكم؟ ماذا أعدت من نعيم لمن عبدها ، وماذا أعدَّت من عذاب لمن كفر بها؟ إذن: فهذه آلهة بلا تكليف ، والعبادة في حقيقتها أنْ يطيع العابد أمر معبوده ، إذن: هي آلهة باطلة لا يخفى بطلانها على العاقل .
لذلك يقول لقمان: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] نعم الشرك ظلم ؛ لأن الظلم يعني: نَقْل حق الغير إلى الغير ، وقمة الظلم ومنتهاه أن تأخذ حق الله ، وتعطيه لغير الله ، ألا ترى أن الصحابة ضجُّوا لما نزل قوله تعالى: {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]
وقالوا: يا رسول الله ، ومَنْ منا لم يخالط إيمانه ظلم؟ فهدَّأ رسول الله من رَوْعهم وطمأنهم أن المراد بالظلم هنا ظلم القمة أي: الشرك بالله {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]