ولذلك ، فالإمام أبو حنيفة - رضوان الله عليه - عندما شكاه القاضي ابن أبي ليلى إلى الخليفة أنه يفند شكاواه وأحكامه ، فأرسل إليه الخليفة بأنْ يترك الفتوى ، وبينما هو في بيته إذ جاءته ابنته وقالت له: يا أبي حدث لي كذا وكذا - تريد أن تستفتيه - فماذا قال لها وهي ابنته؟ قال: سِلَى أخاك حماداً ، فإن أمير المؤمنين نهاني عن الفُتْيا .
وفَرْق بين أنْ يتكلم الإنسان مع عامة الخَلْق ، وبين أنْ يتكلم مع ولده ، فالابن هو الإنسان الوحيد في الوجود الذي يودُّ أبوه أن يكون الابن أفضلَ وأحسن حالاً منه ، ويتمنى أن يُعوِّض ما فاته في نفسه في ولده ويتدارك فيه ما فاته من خير .
ومعنى {وَهُوَ يَعِظُهُ . .} [لقمان: 13] الوعظ: هو التذكير بمعلومة عُلِمت من قبل مخافة أنْ تُنْسى ، فالوعظ لا يكون بمعلومة جديدة ، إنما يُنبه غفلتك إلى شيء موجود عندك ، لكن غفلت عنه ، فهناك فَرْق بين عالم يُعلم ، وواعظ يعظ ، والوعظ للابن يعني أنه كان على علم أيضاً بالمسائل ، وكان دور الوالد أنْ يعظه ويُذكِّره .
ونلحظ في أسلوب الآية أن الله تعالى لما أخبر عنه قال {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ . .} [لقمان: 13] ولما تكلم لقمان عن ابنه قال {يابني . .} [لقمان: 13] ولم يقل يا ابني ، فصغّره تصغير التلطف والترقيق ، وليوحي له: إنك لا تزال في حاجة إلى نصائحي ، وإياك أنْ تظن أنك كَبِرت وتزوجت فاستغنيتَ عني .
وأول عِظَة من الوالد للولد {لاَ تُشْرِكْ بالله . .} [لقمان: 13] وهذه قمة العقائد ؛ لذلك بدأ بها ؛ لأنه يريد أنْ يُصحِّح له مفهومه في الوجود ، ويلفت نظره إلى أن الأشياء التي نعم بها آباؤك وأجدادك لا تزال تعطي في الكون ، ومن العجيب أنها باقية ، وهي تعطِي في حين يموت المعطَى المستفيد بها .