لكن ، ما الفرق بين فتحة دخول الطعام (الفم) وفتحة خروجه؟ ولماذا أصبحت هذه عورة ، وهذه غير عورة؟
قالوا: لأن آدم حال طاعته لأمر ربه في الأكل من ثمار الجنة كان يأكل بطهي ربه ، وهو طهي بحكمة وبقدر معلوم ، يكفي مقومات الحياة ولا يزيد عنها ، لذلك لم يَبْق في بطن آدم فضلات ، ولم توجد عنده غازات أو أرياح ، فلم يشعر في هذه الحالة بحاجة إلى التغوط ، فكانت الفتحتان متساويتين ، هذه فتحة ، وهذه فتحة .
فلما خالف آدم ربه وذاق الشجرة اختلفتْ الأغذية في بطنه ، وحدث لها تفاعلات ، ونتج عنها فضلات وأرياح ، ولما أحسَّ بها آدم نفر منها وأصابه الخجل ، وشعر أنها عورة ينبغي أنْ تُستر ، فالطبع السليم لا بُدَّ أنْ ينفر منها ؛ لذلك أخذ يزيل هذا الأذى عن نفسه ، ويستره بأوراق الشجر ، ومنذ ذلك الحين لم يستطع آدم أن يسدَّ هذه الفتحة ، ولن تُسدَّ .
إذن: الحق سبحانه جعل الدُّرْبة لآدم في الجنة هذه ، وهيَّأ له فيها طعامه ، ونهاه عن نوع بعينه ، فأمره ونهاه وعلَّمه وحذَّره ، فلما وقع في المخالفة وأغواه الشيطان ، ولم يعمل بنصيحة ربه أخرجه إلى الأرض بهذه التجربة ، لتكون رمزاً له ولذريته من بعده: إنْ سِرْتَ على منهجي ووِفْق أوامري في (فعل) و (لا تفعل) فلن تجد عورة في الكون كله ، ونحن نرى ذلك فعلاً في حركة حياتنا في الكون ، فلا نرى عورة في المجتمع ولا خللاً إلا إذا خُولِفَتْ أوامر الله .
هذا هو الإتيان الأول ، بعد ذلك قدَّر الله غفلة البشر ، فأرسل إليهم الرسل بالمنهج ، فكان إتيان آخر ، كما قال تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} [النساء: 163] وقال في عيسى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الإنجيل} [الحديد: 27]