وهذا الإيتاء من الله يتم في خفاء ؛ لذلك يُسمونه وحياً ، وهو من الغيبيات ، فالله تعالى لا يمدُّ يده فيعطي النبي أو الرسول شيئاً حسِّياً ، ومن هنا ارتبط الإيمان بالغيبيات دون المحسَّات ، فأنا لا أقول مثلاً: آمنتُ بأنني قاعد في مسجد الشيخ سليمان وأمامي جَمْع من الإخوة . . الخ . إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الإيمان بأمر غيبي .
الحق - سبحانه وتعالى - يُؤتِى على توالي العصور أنبياءه معجزات ، ويؤتيهم منهجاً يسوس حركة الحياة ، ولا يقتصر إيتاء الله على الرسل ، إنما يؤتى غير الرسل ، ويؤتى الحيوان . . الخ .
ثم يعطينا الحق سبحانه نموذجاً للحكمة التي آتاها لقمان: {أَنِ اشكر للَّهِ . .} [لقمان: 12] هذه هي الحكمة الأولى في الوجود ؛ لأنك إنْ شكرتَ الله على ما قدَّم لك قبل أنْ توجد ، وعلى ما أعطاك قبل تسأل ، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم ، كأنه تعالى يقول لعباده: ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم .
فإن شكرك لله يهدم أول لبنة من لبنات الاغترار ، فالذي يفسد خلافة الإنسان في الأرض أنْ يغترَّ بما أعطاه الله وبما وهبه ، وينسى أنه خليفة ، ويعتبر نفسه أصيلاً في الكون ، والشكر لله تعالى يكون على ما قدَّم لك من نعم .
ومن ذلك قوله تعالى: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] أي: تشكر الله على ما سبق ، فقد وُلدتَ لا تعلم شيئاً ، ثم تكونت عندك آلات الإدراك والعلم ، فعلمتَ وملأت قلبك بالمعاني الجميلة ؛ لذلك تشكر الله عليها ، فجَعْل هذه الآلات لك ، عِلَّته أنْ تشكر أي: على ما مضى .
ثم هناك شكر آخر ، لا على ما فات ، لكن شكر هو في ذاته نعمة جديدة ، وتأمل في ذلك قول الله تعالى: