والقرآن الكريم يشير لنا إلى هذه المسألة إشارةً دقيقة في قوله تعالى مخاطباً إبليس لما رفض السجود لآدم: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} [ص: 75] والعالون هم الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود .
وقلنا: إن الله تعالى كرَّم آدم حين خلقه تعالى ، وباشر خَلْقه بيده سبحانه ، ولم يخلقه كباقي المخلوقات (بكُنْ) ؛ لذلك جاء في حيثية النقد على إبليس: {قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . .} [ص: 75]
إذن: مباشرة الخَلْق باليد دليل على العناية بالمخلوق ؛ لأن اليد هي الآلة الفاعلة لأكثر الأشياء ، وحتى الآن نفخر بعمل اليد فنقول (هذا الشيء يدويّ) يعني: لم تصنعه آلة صماء ، إنما يد مفكر يتقن الصنعة .
وفي مسألة خَلْق آدم - عليه السلام - يحلو للبعض أن يقول: هو الذي أخرجنا من الجنة ، فهل قال الله تعالى قبل أن يصدر أول بيان عن آدم أنني خلقُته للجنة ، ثم عصى آدم ربه وتسبب في أنْ نخرج منها؟
لم يقُلْ ذلك ، إنما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً . .} [البقرة: 30] فهو - إذن - مخلوق للأرض ، وما الجنة التي دخلها إلا جنة التجربة لا جنة الخلد ، والبعض يظن أن كلمة الجنة إذا أُطلقَتْ تعني جنة الآخرة ، وهذا خطأ بدليل قول الله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17]
وقوله تعالى: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ . .} [الكهف: 32]