والناس إزاء هذا فريقان: مؤمنون يقولون: إنّ الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكلّ لديه سواء، وكافرون يستهزؤن بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربّهم، فأصبحوا من الخاسرين.
فمحلّ {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} ؛ أي: يذكر. نصب على المفعولية؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم، وما في قوله: {ما بَعُوضَةً} اسمية إبهامية؛ أي: موجبة لإبهام ما دخلت عليه؛ أي: تزيد ما تقارنه من الاسم المنكّر إبهاما وشيوعا، حتى يكون أعمّ مما كان عليه أوّلا، وأكثر شيوعا في أفراده، فكأنّه قيل: يضرب مثلا ما من الأمثال أيّ مثل كان، فهي في موضع نصب، صفة لما قبلها، و {بَعُوضَةً} بدل من {مَثَلًا} . {فَما فَوْقَها} معطوف على بعوضة؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم أيّ مثل كان، ولا يترك أن يذكر بعوضة، فيذكر الذي هو أزيد منها في الكبر، كالذباب والعنكبوت، أو يذكر ما دونها في الصغر، كالذرّة، وجناح بعوضة. قيل: إنّه من الأضداد، ويطلق على الأعلى والأدنى. وقيل: أن يضرب بمعنى: يجعل، فتكون. {بَعُوضَةً} المفعول الثاني، كما سيأتي.
فَإِنْ قُلْتَ: مثّل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب، فأين تمثيلها بالبعوضة فما دونها؟
قلت: في هذه الآية كأنّه قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها، فما ظنّكم بالعنكبوت والذباب؟
والبعوضة: فعولة من بعض إذا قطع. يقال: بعض وبضع بمعنى، والبعوض: الناموس، والواحدة: بعوضة. قال الربيع بن أنس: ضرب المثل بالبعوضة عبرة لأهل الدنيا، فإنّ البعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا شبعت، فكذا صاحب الدنيا، إذا استغنى طغا، وأحاط به الردى.