آلى على نفسه وهو في كفالتها أن لا يحجبها وأن لا تستشفعه لأحد إلا شفعها وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ولا تشفعت لأحد لغرض دنيا
قال سهل فكم أسير فكت ومبهم عنده فتحت ومستغلق منه فرجت قال واحتجب الرشيد بعد قدومه فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة ومتت بوسائلها إليه فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها مختفية في مشيتها حتى صارت بباب قصر الرشيد فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب فقال ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد فقال له الرشيد ويحك يا ابن الفضل أو ساعية فقال نعم أصلح الله الأمير حافية فقال أدخلها يا عبد الملك فرب كبد كريم غدتها وكربة فرجتها وعورة سترتها
قال سهل فو الله ما شككت في شيء قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها
فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس فأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثديها ثم أجلسها معه
فقالت يا أمير المؤمنين أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الإخوان يحردك بنا البهتان ويوسوس لك بأذانا الشيطان وقد ربيتك وأخذت برضاعي لك الأمان من دهري
فقال لها وما ذلك يا أم الرشيد قال سهل فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في برة بها أولا
قالت له ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك ولا أرشحه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له وإشفاقه عليه وتعرضه للتحف في شأن موسى أخيه
فقال يا أم الرشيد قدر سبق وقضاء حم وغضب من الله نزل قالت يا أمير المؤمنين يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فقال الرشيد صدقت فهذا مما لا يمحوه الله
فقلت الغيب محجوب عن النبيين فكيف عنك يا أمير المؤمنين فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع )
فقالت بغير روية ما أنا ليحي بتميمة يا أمير المؤمنين وقد قيل
( وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ** ذخرا يكون كصالح الأعمال )
هذا بعد قول الله { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } آل عمران 134 فأطرق هارون قليلا ثم قال
( ذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ** إليه بوجه آخر الدهر تقبل )
فقالت يا أمير المؤمنين وهو يقول