لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة لها فلم يكن لموسى شيء يثبطه حين أتاه كتاب الوليد
فأقبل حتى دخل عليه وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد والوصفاء والوصائف والوشي ومائدة سليمان بن داود عليه السلام ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان
قال فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت وعمد إلى أفخر ما فيها والتيجان والجزع فجعله في بيت الله الحرام وفرق غير ذلك ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى موسى فأتى به فعنفه بلسانه وكان فيما قال له يومئذ أعلي اجترأت وأمري خالفت والله لأقللن عددك ولأفرقن جمعك ولأبددن مالك ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور وتخدعه من آل أبي سفيان وآل مروان
فقال له موسى والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه فأما ما ذكر أمير المؤمنين من أنه يقل عددي ويفرق جمعي ويبدد مالي ويخفض حالي فذلك بيد الله وإلى الله وهو الذي يتولى النعمة على الإحسان إلي وبه أستعين ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه ولم يبلغه ذنب اجترمته
فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه
قال وكانت بموسى نسمة فلما أصابه حر الشمس وأتعبه الوقوف هاجت عليه
قال وجعلت قرب العرق تنصب منه فما زال كذلك حتى سقط وعمر بن عبد العزيز حاضر إلى أن نظر سليمان إلى موسى وقد وقع مغشيا عليه
قال عمر بن عبد العزيز ما مر بي يوم كان أعظم عندي ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم لما رأيت من الشيخ موسى وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به