فيه ويقبل آخرون يدخلون مسترقين ويخرجون متفرقين لا يعلم منهم واحد ولا يرى لهم عابر فلا خبر يكون ولا قصة تحدث من مشرق الأرض ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام وينظر فيه هشام وقد قصر نفسه على هذه الحال وحببت إليه هذه الأفعال فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت بهم وأعفاها وأرجاها قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود وارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع والسكون وان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا والإستمتاع بالكساء لم يلبس ثوبا قط يوما فعاد إليه حتى لقد كان كساء ظهره وثياب مهنته لا يستقل بها
ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير من أجلد ما يكون من الإبل وأعظم ما يحمل عليه من الجمال وكان مع ذلك يتقللها وطالت أيامه واستبطأ صاحب العهد بموته فناوأه وعاداه وانتقل عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد بن عبد الملك فمات هشام والوليد غائب فأتاه موته فأمر بقفل الخزائن فلم يجدوا الهشام ما يكفنونه به واستؤذن الوليد في إقباله فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد وذلك في ثلاثة أيام بدء الفتن والدولة العباسية
قال وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة لحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه فكان أول ما اختلفت فيه الرواية ولم تلائمه الحكاية أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله واقتصرنا على معانيها وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ ورددنا هزيله لنزر فائدته وقلة عائدته وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا والله الموفق للصواب
فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي عن الرجال الذين حدثوه
قالوا لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان قامت الشيعة من أهل المدينة وأهل مكة وأهل الكوفة واليمن وأهل البصرة وأرض خراسان في ستر وكتمان فاجتمعوا إلى محمد بن علي وهو محمد بن الحنفية فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك وعرضوا عليه قبض زكاتهم لينفقوها يوم الوثوب على فرصته فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته فقبلها وولي على شيعة كل بلد رجلا منهم وأمره باستدعاء من قبله منهم في سر وتوصية إليهم ألا يبوحوا بمكتومهم إلا لمن يوثق به حتى يرى للقيام موضعا
فأقام محمد بن الحنفية إمام الشيعة قابضا لزكاتهم حتى مات
فلما حضرته