قال وذكرا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل وتحرى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة فلما دنا من البصرة أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد والواقعة فيهم فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض وكان المسجد له ثمانية عشر بابا يدخل منها إليه
فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره
فقال لهم إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي وسيحصبونني فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي فضعوا أسيافكم واستعينوا بالله واصبروا إن الله مع الصابرين فلما دخل المسجد وقد حانت الصلاة صعد المنبر فحمد الله ثم قال أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده وارتضاه إماما على عباده وقد ولاني مصركم وقسمة فيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإمضاء الحكم على ظالمكم وصرف الثواب إلى المحسن البريء والعقاب إلى العاصي المسيء وأنا متبع فيكم امره ومنذ عليكم عهده وأرجو بذلك من الله عز عز وجل المجازاة ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق وأما سيف النقمة فهو هذا
فحصبه الناس
فلما أكثروا عليه خلع عمامته فوضعها على ركبته فجعلت السيوف تبري الرقاب فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين ورأوا تسارع الناس إلى الخروج تلقوهم بالسيوف فردعوا الناس إلى جوف المسجد ولم يتركوا خارجا يخرج فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك
قال أبو معشر لما قدم الحجاج البصرة صعد المنبر وهو متعجر بعمامته متقلد سيفه وقوسه
قال فنعس على المنبر وكان قد أحيا الليل ثم تكلم بكلام فحصبوه