فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها وإلى أمراء الأجناد أما بعد فانظروا من التزم الأذان عندكم فاكتبوه في ألف من العطاء ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم ومقاعد الأدب فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ومن جمع القرآن وروى الحديث وتفقه في العلم واستبحر فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر من المعروفين به من علماء عصركم وفضلاء دهركم فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم فإن الله تعالى يقول { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } النساء 59 وهم أهل العلم
قال ابن المبارك فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن ولا سابقا للخيرات ولا حافظا للمحرمات بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة ذكر الحائك المتطفل
قال وذكروا أن الرشيد لما انصرف من الحجاز وصار بالرقة قال لوزيره عمرو بن مسعدة ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرحجي حتى وليته الأهواز فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما وقضما ولم يوجه إلي درهما فاخرج إليه من ساعتك هذه حتى تحل ساحته ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها ولا أكرومة إلا أهنتها ثم لا تسمع له حجة يرفعها ولا تقبل منه كلمة ينهيها إن اعتذر فلا تقبل له عذرا وإن قال فلا تقبل له قولا فشر قائل
وأكذب متظلم فقلت في نفسي أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين إذ كانت ولايته بسببي فقلت أخرج يا أمير المؤمنين قال فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما فحلفت له ثم انحدرت إلى بغداد ثم خرجت فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول إذا رجل يصيح يا ملاح يا ملاح رجل منقطع
فقلت للملاح قرب إلى الشط
فقال يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك قال الوزير فلم يلتفت إليه ولقوله وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد فلما حضر الغداء دعوته فكان يأكل أكل جائع