فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 344

وعبادته وعلمه وروعه فاشتهى النظر إليه وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران

فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك يا أمير المؤمنين إن الفضل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه ويسفر عنك

فقال هارون تستأذن أنت عليه وتخفى مكاني عنه حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك

قال الفضل من بالباب قال ابن المبارك

قال مرحبا يا أخي وصاحبي فقال ابن المبارك ومن معي يدخل فقال الفضل ومن معك قال رجل من قريش

فقال الفضل لا إذن لا حاجة لي برؤية أحد من قريش

فقال له ابن المبارك إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان فقال له الفضل أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس فقال له ابن المبارك إن سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم وإنما عني أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم فقال له الفضل فإن كان كما تقول فليدخل فدخل الرشيد فسلم عليه ثم جلس بين يديه فتحدثوا ساعة

فقال له ابن المبارك يا أبا الحسن أتدري من هذا قال لا أدري

فقال له هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة ثم قال هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه إن هذا لهو الفضل المبين وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا وأحسنهم نطقا وأبلغهم لسانا وأعذبهم كلاما وأكثرهم علما وفهما ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا

قال ابن المبارك ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ ثم أفاق من بكائه فجعل الفضل يذكر مثالبه ومثالب أهل بيته ورداءة سبرتهم وخلافهم الحق ثم لم يدع شيئا يعيبه به ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به

فقال له الرشيد يا أبا الحسن أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك فقال الفضل بلى

فقال الرشيد فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير بين شيء وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه الله الشاهد على قولي والمطلع على نيتي وضميري وكفى به شهيدا وأما مع هذا ألى من الإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا تليه أنت فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني فسكت الفضل ساعة ثم قال ما ظلمك من حجك ثم قام هارون للخروج

فقال الفضل يا أمير المؤمنين إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا فقال الرشيد أجل إنه ما قلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت