وعبادته وعلمه وروعه فاشتهى النظر إليه وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران
فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك يا أمير المؤمنين إن الفضل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه ويسفر عنك
فقال هارون تستأذن أنت عليه وتخفى مكاني عنه حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك
قال الفضل من بالباب قال ابن المبارك
قال مرحبا يا أخي وصاحبي فقال ابن المبارك ومن معي يدخل فقال الفضل ومن معك قال رجل من قريش
فقال الفضل لا إذن لا حاجة لي برؤية أحد من قريش
فقال له ابن المبارك إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان فقال له الفضل أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس فقال له ابن المبارك إن سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم وإنما عني أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم فقال له الفضل فإن كان كما تقول فليدخل فدخل الرشيد فسلم عليه ثم جلس بين يديه فتحدثوا ساعة
فقال له ابن المبارك يا أبا الحسن أتدري من هذا قال لا أدري
فقال له هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة ثم قال هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه إن هذا لهو الفضل المبين وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا وأحسنهم نطقا وأبلغهم لسانا وأعذبهم كلاما وأكثرهم علما وفهما ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا
قال ابن المبارك ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ ثم أفاق من بكائه فجعل الفضل يذكر مثالبه ومثالب أهل بيته ورداءة سبرتهم وخلافهم الحق ثم لم يدع شيئا يعيبه به ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به
فقال له الرشيد يا أبا الحسن أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك فقال الفضل بلى
فقال الرشيد فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير بين شيء وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه الله الشاهد على قولي والمطلع على نيتي وضميري وكفى به شهيدا وأما مع هذا ألى من الإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا تليه أنت فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني فسكت الفضل ساعة ثم قال ما ظلمك من حجك ثم قام هارون للخروج
فقال الفضل يا أمير المؤمنين إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا فقال الرشيد أجل إنه ما قلت