طلق ولسان سلط فبايعوه ببغداد وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع فلم يختلف عليه أحد
ولا كره خلافته مخلوق فأحسن السيرة وأحكم أمر الرعية وكان أوحد أهل بيته ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله رحمه الله قدوم هارون الرشيد المدينة
قال وذكروا أنه لما كانت سنة أربع وسبعين ومائة خرج هارون حاجا إلى مكة فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام فبعث إلى مالك بن أنس فأتاه فسمع منه كتابه الموطأ وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد
فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق هل أنكرتم شيئا من هذا العلم قالوا ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء والتدمية في القتل فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله يقول الرجل قتلني فلان فيقبل منه ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا ثم يقتل ولعل أولياءه لم يحضروا ولم يكونوا بمصر فيعرض بهم الحنث في الإيمان فيقبل قول رجل على غيره وهو لا يقبل في ربع دانق يدعيه إلا ببينة تقوم إن هذا لهو الضلال
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس حيث قال ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر )
قال الرشيد ويحكم إن في كتاب الله ما يصدق ذلك ولا أخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه
فأرسل إليه فأقبل
فقال هارون يا أبا عبد الله إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الإنكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية وتصديق قول من ادعى وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقول له فأخبر القوم وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك فقال مالك يا أمير المؤمنين إن مما يصدق القسامة ما في كتاب الله من القتل والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل
قال الله عز وجل { اضربوه ببعضها } البقرة 73 فذبحت البقرة ثم ضربوه بعضو من أعضائها