خرج يوما إلى بعض المنازل ومعه أهله وبعض بنيه وكان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده ثم غفل عن ذلك وتركه فحمل عبد الله الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بسمه وبذل لها على ذلك الأموال ومناها أماني الغرور
فلما سمته ووصل إليه السم عرف المهدي أنه قد قتل فدعا كاتبه فقال له عجل واكتب عهد هارون الرشيد وخذ بيعة الجند وأمراء الأجناد واكتب بذلك إلى ولاة الأمصار وكان الرشيد أصغر بنيه وكان ابن أمة لا يطمع في خلافه ولا يظن بها فأدخله على نفسه وهو يجود بها والرشيد لا يعلم أنه مستخلف
فقال له المهدي أي بني والله ما أردت استخلافك ولا هممت به لحداثة سنك وقد كان قال لي جدك أبو جعفر وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك إن ابني هذا الأعين سيلي هذا الأمر ويسير فيه سيرة صالحة فقلت يا أبت أتظن ذلك قال ما هو بالظن ولكنه اليقين ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة وتقتله الحمى الربع فاندفع الرشيد باكيا فقال له ما يبكيك يا فتى قال يا أبت إنك والله نعيت لي نفسي وعرفتني متى أموت ومم أموت قال هو ذاك فشمر واجتهد وجد وخذ بالحزم والكرم ودع الإحن وانظر أخاك عبد الله فلا يناله منك مكروه فقد عفوت عنه
فقال الرشيد يا أبت وتعفو عنه وقد أتي ما ذكرت وصنع ما وصفت قال يا بني وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه وأرجو أن يغفر لي بصنيعته بي إن شاء الله
عليك يا بني بتقوى الله العظيم وطاعته فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجاره وأوصيك بإخوتك خيرا وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل حسناتهم وتجاوز عن سيآتهم واغفر زلاتهم وأوصيك بأهل الحرمين خيرا فقد علمت من هم وأبناء من هم أجزل لهم العطاء وأحسن لهم الجزاء يكافئك الله في الآخرة والأولى
ثم توفي المهدي من يومه ذاك واستخلف الرشيد وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه