والإستشعار وما لا غنى عنه من الوطاء والدثار مع رائع الثياب التي تكون للجمال والجماعات والأعياد ولا بني وبني ابني مثل ذلك
فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال أرحني من هذا له وأمر بما سأل من الحملان وما أراد به من ثياب المهنة والجمال وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به وأخرجه عني فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد
ثم انصرف الأعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة لا يوصف أكثرها ولا يعرف أقلها وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه وجزيل عطائه قتل جعفر بن يحيى بن برمك
قال عمرو بن بحر الجاحظ حدثني سهل بن هارون قال والله إن كان سجاعو الخطب ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى ولو كان كلام يتصور درا ويحيله المنطق السري جوهرا لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد في بديهته وتوقيعاته في أسافل كتبه عيين وجاهلين أميين ولقد عبرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم ولم تكن مقصورة إلا عليهم ولا انقادت إلا لهم وأنهم محض الأنام ولباب الكرام وماعح الأيام عتق منظر وجودة مخبر وجزالة منطق وسهولة لفظ ونزاهة أنفس واكتمال خصال حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور وانبعاث أهل القبور حاشا أنبياء الله المكرمين وأهل وحيه المراسلين لما باهت إلا بهم ولا عولت في الفخر إلا عليهم ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم وكريم أعراقهم وسعة آفاقهم ورفق ميثاقهم ومعسول مذاقهم وسني إشراقهم ونقاوة أعراضهم وطيب أغراضهم واكتمال خلال الخير فيهم إلى ملء الأرض مثلهم في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر وكالخردلة في المهمة القفر
قال سهل إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه وهو مع الرشيد بالرقة وهو يعقدها جملا بكفه إذ غشيته سآمة وأخذته سنة فغلبته عيناه
فقال ويحك يا سهل طرق النوم شفري عيني فأظلمت وأكلت السنة خواطري فما ذاك قلت طيف كريم إن أقصيته أدركك وإن غالبته غلبك وإن قربته روحك وإن منعته عنتك وإن طردته طلبك
فنام أقل من فواق بكية أو نزح ركية ثم انتبه مذعورا فقال يا سهل لأمر ما كان ذهب والله ملكنا وذل عزنا وانقطعت أيام دولتنا
فقلت وما ذاك أصلح الله الوزير قال كان منشدا أنشدني