( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر )
فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر
( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ** صروف الليلي والجدود العواثر )
فوالله ما زلت أعرفها فيه وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي ذلك بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها إذ وجدت رجلا ساعيا إليه حتى ارتمى مكبا عليه فرفع رأسه وقال مهلا ويحك ما اكتتم خير ولا استتر سر
قال له قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا قال أو فعل قال نعم فما زاد أن رمي بالقلم من يده وقال هكذا تقوم الساعة بغته
قال سهل فلو انكفأت السماء على الأرض ما تبرأ منهم الحميم أو استبعد عن نسبهم القريب وجحد ولاءهم المولى واستعبرت لفقدهم الدنيا فلا لسان يخطر بذكرهم ولا طوف ناظر يشير إليهم وضم يحيى وبقية ولده الفضل ومحمدا وخالدا بنيه وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى والعاصي ويزيد ومعمرا بني الفضل بن يحيى ويحيى وجعفرا وزيدا بني محمد بن يحيى وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمرا بني خالد بن يحيى ومن لف لفهم أو هجس بنفسه أمل فيهم
قال سهل وبعث إلى الرشيد فوالله لقد أعجلت عن النظر فدخلت ولبست ثياب أحزاني وأعظم رغبتي إلى الله الإراحة بالسيف وإلا نعيت كما نعي جعفر فلما دخلت عليه ومثلت بين يديه عرف الذعر في تجريض ريقي والتمايد في طريقي وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري
فقال هارون إيها يا سهل من غمط نعمتي واعتدى وصيتي وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي
فوالله ما وجدت جوابها حتى قال ليفرج روعك وليسكن جأشك ولتطب نفسك ولتطمئن حواسك
فإن الحاجة إليك قربت منك وأبقت عليك بما يبسط منقبضك ويطلق معقولك فاقتصر على الإشارة قبل اللسان فأنه الحاكم الفاصل والحسام الناصل وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول
( من لم يؤدبه الجميل ** ففي عقوبته صلاحه )
قال سهل فو الله ما أعلمني أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ فما عولت في شكره والثناء عليه إلا على تقبيل يديه وباطن رجليه