ومن الذين أسهموا في إبراز دور السياق واستثمروه الراغب الأصبهاني (ت 502 هـ) ، في كتابه (مفردات القرآن) ، فقد أثنى الزركشي على منهجه وهو يتحدث عن تفسير بعض آي القرآن الذي لم يرد فيه نقل، حيث قال:"وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالاتها، بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات) ، فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" [27، جـ 2، ص 172] .
يمكن القول على هدًى مما تقدم: إن السياق قرينة متميزة في مجال تحليل الخطاب، والكشف عن المراد، إذا أحسن استعماله، ووضع في نصابه، بأن لا يهمل اكتفاء بتحليل البناء اللغوي؛ لأن هذا وحده لا يرشد إلى دلالة الكلمة، لا مفردة ولا مقرونة بغيرها، لما أسلفنا.
يعد - بإزاء هذا - الخروج بالسياق عن مكانته؛ بأن يقدم على غيره من القرائن مطلقاً، يعد هذا انحرافاً بالسياق عن دوره ووظيفته، وهذا مسلك الذين يرون:"بأن الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم" [1، ص 57] ، ولا شك أن في هذا التوجه مبالغة تسيء إلى السياق أكثر مما تحسن إليه، والناظر في كتب التفسير يلحظ ملامح الاتجاهات الثلاثة بادية فيها ثمة آيات كثر في القرآن الكريم للسياق أثر في تفسيرها، وتحديد المعنى المراد منها، ويكثر هذا في الآيات التي تتضمن ألفاظاً مشتركة، وحسبنا في هذا المقام مثال يوضح ما نحن بصدده؛ لأن أمثلة هذا النوع أكثر من أن يستوعبها بحث كهذا.
إن كلمة البلوغ لفظ مشترك، يطلق في اللغة على المقاربة، وعلى الانتهاء إلى الشيء، وقد ورد هذا اللفظ في آيتين متجاورين، كان للسياق الفضل في اختيار المعنى المناسب لهذه اللفظة في الموضعين.
جاء في الآية الأولى، قوله تعالى:"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" [البقرة: 231] ، فالخطاب هنا للأزواج، والمراد ببلوغ الأجل: قرب انتهاء العدة؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك [28، جـ 2، ص 421] والتسريح، فلما خير الزوج دل على أن المعنى ما ذكرنا بالإجماع.