و {زَكَرِيَّا} على هذه القراءة منصوب؛ لأنه المفعول الثاني للتَّكفيل، ومعناه: ضَمَّنها الله زكريا، وضَمَّها إليه؛ وذلك أنَّ (حَنَّةَ) لمَّا ولدت مريمَ، أتت بها سَدنَةَ بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة. فتنافس فيها الأَحْبارُ، حتى اقترعوا عليها، فخرجت القُرعة لزكرياءَ عليه السلام. ونذكر ما فيه عند قوله: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [آل عمران: 44] . فمعنى قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} : أنَّ الله تعالى ضمَّها إلى زكريا بالقُرْعَة التي قَرعها.
وقوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال المفسرون: لمَّا ضمَّ زكريا مريمَ إلى نفسه، بنى لها مِحْرابا في المسجد، وبابه في وسطها، لا يُرقى إليها إلا بسُلَّم، ولا يَصعَد إليها غيره.
و (المِحْرابُ) في اللغة: أشرف المجالس. وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدَهم.
و (المِحْراب) : الغُرْفَة أيضاً، قال عمر بن أبي ربيعة:
رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتها ... لم أَدْنُ حتى أرْتَقي سُلَّما.
أي: رَبَّة غُرفةٍ. وقال الأصمعي: (المِحْراب) : الغُرْفة؛ ألا تراه يقول: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [سورة ص: 21] .
وقال الزجاج: (المحراب) : أرفع بيت في الدار، وأرفع مكان في المسجد، قال: و (المحراب) ههنا كالغرفة، وأنشد بيت عمر.
وقال أبو عبيدة: (المحراب) عند العرب سيِّدُ المجالس، ومُقَدَّمُها، وأشرفها، وإنما قيل للقبلة: محرابٌ؛ لأنها أشرف موضع في المسجد. ويقال للقصر محرابٌ؛ لأنه سيِّد المنازل.
قال امرؤ القيس:
كغزلان وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوال
أراد بـ (المحاريب) : القصور. قال ابن عباس في رواية عطاء: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله تعالى: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} .