وعمل طاعة من جنسه تؤثر في النفس ضد أثره فإنه يكون قريبًا من العمل الصالح
قال تعالى: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: 114) وقال عليه الصلاة
والسلام: (وأتْبع السيئة الحسنة تَمْحُهَا) .
أقول: هذا تمهيدًا لبيان أن هذا النوع من الدعاء هو أحد خصال الإيمان.
والإيمان كما يورد في الأحاديث الصحيحة: قول باللسان واعتقاد بالجَنان وعمل
بالأركان، فهذا الدعاء لا يكون صحيحًا إلا إذا وافق اللسان فيه القلب والعمل. أعني
أن يطلب المؤمن الرزق في الدنيا والمغفرة في الآخرة ونحوهما بتوجه القلب والقيام
بالعمل الذي جعله الله وسيلة للرزق وسببًا في المغفرة. ويستلزم هذا ما قالوه من
عدم جواز طلب المحال أو المحرم شرعا؛ لأن الأول ليس له وسيلة تتوجه النفس
إليها وتطلب بالعمل منها، والثاني لا يطلب من الله تعالى وإنما يطلب بالعمل في حال
الغفلة عن الله عز وجل. ومن طلب من الله تعالى شيئًا بالتوجه النفسي الصحيح
وصدق العزيمة وإعمال الفكر مع الجد في السعي من الطرق التي سنها الله تعالى
والأسباب التي ربط بها المسببات، وكان دعاؤه باللسان مترجمًا عن إيمانه بأن
المسخر الأسباب والموفق بينها هو الله تعالى فإن الله تعالى يستجيب دعاءه، ويسهل
له الأسباب ويمنحه التوفيق.
هذا هو الدعاء المطلوب شرعًا، وفائدته في تهذيب النفس وتسديد الفكر وتقوية
العزيمة ظاهرة بالبداهة، والوصول به إلى المقاصد التي يطلبها الداعي ثابتة
بالتجربة وقريبة من المعقول. وما أظن المعتزلة ينكرون ذلك، وإنما أنكروا - فيما
أرى - فائدة الدعاء القولي البحت، والمحققون من أهل السنة يوافقونهم على هذا، لا
سيما الصوفية علماء النفس والأخلاق. قالت رابعة العدوية رحمها الله تعالى:
استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير، وقال الشيخ محي الدين بن عربي:
بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنطمس البصائر والقلوب
وإنما يعني الذكر مع الغفلة فإنه كالاستهزاء بالله تعالى. وورد هذا المعنى في
الآثار عن السلف، قال الفُضَيل بن عياض رحمه الله تعالى: الاستغفار بلا إقلاع توبة
الكذابين، وفي (الإحياء) عن بعض الحكماء: مَن قدم الاستغفار على الندم كان