عظماء الأمة على علاته صح أم لم يصح، ومن بحث في ذلك ينسبونه إلى التقصير
في تعظيم السلف، وما تعظيم السلف إلا بالاقتداء بهم، حتى إن عالمًا مثل التاج
السبكي قال في بيان هذه الكرامة: إن عمر رأى القوم في نهاوند عيانًا، وكان كمن
هو بين أظهرهم، أو طويت له الأرض وصار بين أظهرهم حقيقة وغاب عن
مجلسه بالمدينة، فكيف جوَّز انتقال عمر من المدينة إلى نهاوند وإرشاده أمير الجيش
ورجوعه كلمح البصر - ولو حصل هذا لملأ خبره الخافقين - مع أنه لم يقل به أحد
قط، اللهم إن غرامنا بالتأويل قد أطفأ فينا نور الفطرة والعقل وطمس معالم العلم
والدين، فأنقِذنا اللهم من الاحتمالات والتأويلات، وأتحفنا بعلم اليقين، إنك على ما
تشاء قدير.
(4) ومنها قصة الزلزلة , نقل السبكي عن الشامل لإمام الحرمين أن
الأرض زلزلت في زمن عمر - رضي الله عنه تعالى - فحمد الله وأثنى عليه،
والأرض ترتجف وترتج ثم ضربها بالدرة وقال: قري ألم أعدل عليك؟ فاستقرت
من وقتها. اهـ.
أقول: إن الزلزلة ليس لها زمن معين، فيقال: إنها استقرت قبل انقضائه
كرامة لعمر- رضي الله تعالى عنه - ولا أذكر أنني رأيت لهذا الأثر رواية صحيحة،
ولئن صحت الرواية فقد علمت ما فيها، وقد أطال السبكي الكلام في هذه المسألة
وزعم أن الفاروق كان يؤدب الجمادات كالأرض كما يؤدب الناس؛ لأنه خليفة في
الظاهر والباطن، وزعم أن الأرض لا تزلزل إلا لسببين: جور الحكام واليوم المعلوم
المشار إليه بقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (الزلزلة: 1) وتكلم
في تفسير السورة بما يخالف الجماهير، وقد بيَّنا الحق في هذا كله، وبينا أسباب
الزلازل بحسب ما يدل عليه العلم في كتابنا (الحكمة الشرعية) ، وأنها لا علاقة لها
بالجور ولا بالعدل.
(5) ومنها قصة النيل , قال السبكي: إن النيل كان في الجاهلية لا يجري
حتى يلقى فيه جارية في كل عام فلما جاء الإسلام وجاء وقت جريان النيل أتى
أهل مصر إلى عمرو بن العاص فأخبروه أن لنيلهم سُنَّة، وهو أنه لا يجري حتى
يلقي فيه جارية بِكْرٌ بين أبويها، ويجعل عليها من الحليّ والثياب أفضل ما يكون،