وما خلق بعد ذلك بالأسباب المعبر عنها في لسان الشرع بالسنن الإلهية (عالم الخلق)
ولله الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
أما طريق التأويل فمن المعهود عند الناس أن يقولوا: كأنَّ هذا الطعام أو الماء
قد زاد وبورك فيه، وكأن الإناء ينبوع إذا كفاهم من حيث يظنون أنه لا يكفيهم،
وإذا زاد مع ذلك عن الحاجة يبالغون في القول فيقولون: إنه قد زاد أو تضاعف أو
صار أكثر مما كان، وإن الإناء لينبع نبعًا، كما يقولون: إن الأرض قد طويت إذا
قطعوا المسافة في مدة أقصر مما كانوا يتوقعون، وكل هذا من قبيل التشبيه البليغ
المعهود في اللغة العربية بكثرة، ولا تكاد تخلو منه لغة من اللغات، لكن التعبير
بقوله أكثر مما كان بثلاث مرار ينأى بالكلام عن التجوز ويدنيه من إرادة الحقيقة،
وكثيرًا ما كانوا يروون الأحاديث بالمعنى، فلسنا على ثقة من نص عبارة عبد
الرحمن - رضي الله عنه - على أن هذه الكرامة مسندة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، فالبحث فيها إنما هو بحث في خبر تاريخي، وإنما سَمَّينا الكلام حديثًا؛ لأن
فيه أن الطعام حمل بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه الخلق الكثير.
(3) ما روي عن عمر الفاروق رضي الله عنه، وذكر السبكي في مقدمته
قصة سارية بن رستم الجلحي وهي مشهورة، وفيها كرامتان: إحداهما أنه اطلع
وهو على منبر حرم المدينة على جيش سارية مع العدوّ في نهاوند وأن العدو أعدَّ له
كمينًا في الجبل، والثانية أنه ناداه: يا سارية، الجبل، فأسمعه، ونحن نقول: إن
هذه القصة مما تتوفر الدواعي على نقله بالتواتر؛ لأنها وقعت والمسلمون كلهم
مجتمعون في المسجد يسمعون الخطبة، وهي من الغرابة في نفسها وعظم الشأن في
موضوعها بالمكانة التي نعرفها، ولو حدَّث بها الجم الغفير من الصحابة لحدَّث بها
أضعاف أضعافهم ممن بعدهم؛ لأنهم كانوا أسمع للغرائب، وأولع بالعجائب، ومع
ذلك ما رواها البخاري ولا مسلم ولا أصحاب السنن الأربعة، ولا أصحاب المسانيد
من قبلهم، وإنما انفرد بها البيهقي من المحدثين، وتناقلها كثير من المؤرخين الذين
جمعوا بين الغث والسمين، وقد وطن قومنا نفوسهم على قبول جميع ما يسند إلى