وإنما هما أخواك وأختاك فقالت: إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال: إن ذا بطن
بنت خارجة أراها جارية، فكان كما قال، أقول: وهذا من الإلهامات الصحيحة
التي أثبتناها، وقد ورد في الصحيح أنه كان من الأمم قبلنا محدَّثون(بفتح الدال
المشددة)أي ملهمون، وإن عمر بن الخطاب من المحدثين في هذه الأمة، وأجدر
بأبي بكر أن يكون محدثًا أيضًا.
(2) ثم ذكر حديث عبد الرحمن ولده - رضي الله عنهما - في الإطعام،
وفيه أن الطعام كثر في القصعة ببركة أبيه، قال عبد الرحمن: وايم الله ما كنا نأخذ
لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، قال حتى شبعنا وصارت بعد ذلك أكثرمما كانت
بثلاث مرار، أقول: إذا ثبت هذا فهو الخارق الحقيقي؛ لأن زيادة الطعام حقيقة لا
تكون إلا بخلق جزء منه يوجد من العدم؛ لأن النموّ بالاستمداد من الأجسام الأخرى
كما في الحيوان والنبات لا يتأتى فيه، وقد حار العقلاء في سر الخلق وكيفية الإيجاد
من العدم حتى كاد هذا الأمر أن يكون وراء ما يقدر البشر على تصوره، ومثله
إعدام الوجود، فالإيجاد والإعدام من الأسرار الإلهية التي لم يطلع الله عليها أحدًا من
خلقه، والحكماء متفقون على أن القوة البشرية عاجزة عن إيجاد نحو ذرة أو رملة،
وعن إعدام نحو نقطة ماء من الوجود وإن بلغت من العلم ما بلغت، ولكن البراهين
العقلية تثبت أن وجود هذا العالم ممكن لا واجب، وأن الممكن لا وجود له من ذاته؛
لأنه لا يكون إلا حادثًا، وهذا هو الدليل على أن الله تعالى خالق كل شيء، أما
الخبر فهو عند الشيخين، وهو من أخبار الآحاد التي تفيد الظن لذاتها، وليس
الموضوع في نفسه من قضايا الدين، فمن اطمئن قلبه له وصدقه لثقته بروايته فله
أن يبقيه على ظاهره ويعدّه من الخوارق، وله أن يأوِّله ليطابق المعروف
في العلم موافقًا لما في الدين من أن الله تعالى جعل لكل شيء يحدث في هذا الكون
سببًا، ولذلك سُمي عالم الأسباب، فالله تعالى خلق مادة الكون بمحض إرادته المعبر
عنها في الكتاب بلفظ (كن) ثم جعل بعد ذلك لكل شيء سببًا كما هو مشاهد،
وبعض أئمة الصوفية الشيخ الأكبر يسمي ما وجد أولاً بمحض الإرادة (عالم الأمر)