فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا ثلاثة أشهر لا
يجري لا قليلاً ولا كثيرًا (لعله يريد أنه لا يجري زيادة عن العادة) حتى هموا
بالجلاء، فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: قد أصبت،
إن الإسلام يهدم ما قبله، وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في النيل، ففتح عمرو البطاقة
فإذا فيها(من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري من
قِبَلك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك نسأل الله الواحد القهار
أن يجريك)فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب، وقد تهيأ أهل مصر
للجلاء والخروج منها، فأصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا، قال السبكي:
فانظر إلى عمر كيف يخاطب الماء يكاتبه ويكلم الأرض ويؤدِّبها.
أقول: إن هذه الحكاية مبنية على أن التصديق بأن النيل كان قبل الإسلام لا
يفيض فيضانه إلا بعد وضع الجارية العذراء فيه، وإنها لخرافة إذا جاز أن يصدقها
أغبياء الوثنيين الذين يعتقدون أن النيل من الآلهة لا يفيض إلا إذا أرضوه بمثل ذلك،
أو أن الآلهة يُجرونه بحسب أهوائهم، وأن إلقاء الجارية من ذرائع استجدائهم،
فلا يجوز أن يصدقها مسلم يعتقد أن الحكيم العليم أقام هذا الكون بنظام ثابت وسنن
مطردة لا تتغير ولا تتبدل، منها أن الأنهار تجري من ينابيع كالعيون الصغيرة
تتفجر من بطن الأرض وتستمد في أيام الشتاء من الجداول والوديان التي يجتمع
ماؤها من المطر، وإن ماء الينابيع من المطر على ما بيناه في المقالة الأولى من
مقالات الكرامات {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْض} (الزمر: 21) وقد عُلم أن النيل يجري من بحيرتين عظيمتين في الأقاليم
الاستوائية، وإنما يفيض على مصر فيضانه المعلوم في فصل الصيف؛ لأن صيف
هذه البلاد شتاء في تلك البلاد، ولا يكون الفيضان إلا تدريجًا؛ لأن المطر يكون
كذلك، وإنما يقل الفيضان ويكثر بقلة المطر وكثرته في تلك البلاد التي ينبع منها
ويستمد مما دونها، ويجوز أن يقل الفيضان في أول عهده، ثم يكثر في آخر المدة تبعًا
لأحوال المطر، ولكن لا يتأتى أن يجري في يوم واحد ستة عشر ذراعًا، ولو