من شأنه اقتناصه وافتراسه؛ ليكون استيلاؤه عليه من تقصيره لا من طبيعته ونقص
خلقته، وكونها تنفر مما يضرها بالطبع والإلهام إلى غير ذلك من الحكم التي لا
تحصى، كل ذلك جاء على نظام بديع وسنن مطردة، وبه تيسر للإنسان انتفاعه بما
يمكن الانتفاع به، واحترازه مما يخشى ضرره.
وهذا الإنسان في جميع أطواره وأدواره؛ من بداوة وحضارة، وشظف
ورفاهة، وعلم وجهل، وقوة وضعف، وعزة وسلطان، وذلة وامتهان، وسائر
أنواع السعادة والشقاء التي تتناوبه مجتمعًا ومنفردًا، كل ذلك منطبق على السنن
الإلهية والنواميس الكونية، فالأعمال - نافعها وضارها - تابعة لمعارف العاملين
وما انطبع في نفوسهم من العقائد والأخلاق، وما تربوا عليه من العادات، ولولا
أن لترقى الإنسان وتدليه سننًًا ثابتة وقوانين طبيعية مطردة، لما انتظم لهذا النوع
حال، ولما طمع ببلوغ مراتب الكمال.
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وهداه النجدين، فكان بفطرته مستعدًّا لتعرف
سنن الخليقة، واستخراج النواميس من سير الطبيعة، ولكنه ظل غافلاً عن هذه
السنن، ومنصرفًا عن استنباطها من جزئياتها إلا ما يبدو للنظر ويسبق إلى الفكر
حتى منحه الله تعالى بفضله الدين الإسلامي الذي هو دين الفطرة بمقتضى قوله
تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} (الروم: 30) فاسْتَلْفَتَهُ القرآن إلى هذه السنن، وبين له أنها لن تتبدل ولن تتحول،
فالتفت هذا النوع بذلك إلى الخليقة، وصار يتعرف نواميسها رويدًا رويدًا بمقتضى
ناموس التدرج في الاتقاء، وقد شرح حكماء العلماء ما وصل إليه علمهم من تلك
النواميس والقوانين التي طبع الله عليها هذا العالم، وفصَّلوا ما عرفوه من سننه فيها،
وجعلوا ذلك فنونًا كثيرة كتبوا فيها الأسفار، ودونوا فيها الدواوين، ووضعوا لها
الاصطلاحات كما هو شأنهم في سائر فنون العلم، ولا ينفكون في كل عصر من
الأعصار التي استحكمت فيها الحضارة ينقبون عنها ويبحثون فيها ابتغاء الزيادة،
وحرصًا على كمال الاستفادة، وما كان أجدر هؤلاء الواقفين على أسرار الطبيعة