والدخان، وجميع الأبخرة التي هي أخف من الهواء ترتفع إلى جهة العلو
حتى إذا ما تكاثفت وزاد ثقلها على ثقل الهواء في طبقة من طبقات الجو، وقفت
عن التعالي والارتفاع، وربما تكاثف ما فيها من الماء المتبخر بسبب البرودة؛
فعاد كما كان سائلاً أو جامدًا، وهبط لثقله إلى الأرض، ثم تخلل في الأتربة، وفي
هذه الحالة يدلي إليه النجم والشجر خراطيم جذوره، فيمتص منه ما يحتاجه لحياته
النباتية، وقد يتخلل الأرض ويسري فيها، فيعترض سيره صخور ونحوها،
فيجتمع إليها، ويزداد عليه الضغط من الجهة التي جرى منها حتى يندفع إلى سطح
الأرض ويتفجر، فيكون ينبوعًا يرد الحيوان الناطق والأعجم فيعل منه وينهل، وللناس في الماء منافع أخرى حاجية وكمالية، وناهيك ببخاره الذي هو روح العمران
في هذا الزمان، ولولا أن ذلك كله جارٍ على قوانين ثابتة وسنن مطَّردة لما تيسر
الانتفاع به للناس.
وهذا النبات الذي يسقى بماء واحد، وثبتت أصوله في تربة واحدة، وسبحت
أفنانه وشعابه في هواء واحد - حصل فيه التباين والتخالف في أشكال ثمراته وألوانها
وطعومها وروائحها وخواصها، فكان أنواعًا متمايزة، وأزواجًا متعددة،
ومع ذلك لا يحمل نوع منها ثمرة نوع آخر، ولا يزاحمه في خاصيته التي أودعت
فيه، وإلا لما اهتدى الناس للانتفاع بها، ولضل سعيهم بعدم حصول المرء على
مطلبه، أو إصابته غير غرضه، وربما أفضى بهم اختلال هذا النظام إلى
التلف، وألقاهم في مهاوي الهلكة، فإن بعض النبات مغذٍّ يقتات منه الإنسان،
وبعضها سام تهلك به الأبدان، فلو أن خواص العقاقير تنتقل أحيانًا إلى الفاكهة
وبالعكس، لوقع المحذور الذي أشرنا إليه.
وهذه الحيوانات العجم من نَعم وطير، ووحش وسمك وهوام؛ فإن كيفيات
معيشتها وتوالدها وحفظ ذريتها، وأشكال أعضائها، وبنيتها الموافقة للقيام بأود
حياتها، ككون الطير ذا منقار يلتقط به الحبوب، ونحو الصقر والشاهين ذا منسر
ومخلب يمزق بهما اللحم ليطعمه، وكون الطويل الأرجل منها طويل العنق على
نسبة طول رجليه؛ ليسهل عليه تناول الغذاء حيث لم يكن مما يتناوله بالأيدي،
وكون الضعيف منها أقدر على العَدْو والطيران، أو الحيلة والروغان من القوي الذي