فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 80178 من 466147

فلما رآها الشيخ تغير وجهه، وقال: هذه ابنة من؟ فقيل له: هذه ابنة ملك هذه القرية، فقال الشيخ: فلم لا يدللها أبوها ويكرمها ولا يدعها تستقي الماء؟ فقيل له: أبوها يفعل ذلك بها حتى إذا تزوجها رجل أكرمته وخدمته ولا تعجبها نفسها، فجلس الشيخ ونكس رأسه، ثم أقام ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب، ولا يكلم أحدا، غير أنه يؤدي الفريضة، والمشايخ واقفون بين يديه، ولا يدرون ما يصنعون، قال الشبلي: فتقدمت إليه، وقلت له: يا سيدي إن أصحابك ومريديك يتعجبون من سكوتك ثلاثة أيام وأنت ساكت لم تكلم أحدا، قال: فأقبل علينا، وقال:

يا قوم: إعلموا أن الجارية التي رأيتها بالأمس قد شغفت بها حبا، واشتغل بها قلبي، وما بقيت أقدر أفارق هذه الأرض.

قال الشبلي، فقلت يا سيدي: أنت شيخ أهل العراق ومعروف بالزهد في سائر الآفاق، وعدد مريديك اثنا عشر ألفا، فلا تفضحنا وإياهم بحرمة الكتاب العزيز. فقال يا قوم: جرى القلم بما حكم، ووقعت في بحار العدم وقد انحلت عني عرى الولاية، وطويت عني أعلام الهداية، ثم إنه بكى بكاء شديدا، وقال يا قوم: انصرفوا، فقد نفذ القضاء والقدر، فتعجبنا من أمره، وسألنا الله تعالى أن يجيرنا من مكره، ثم بكينا وبكى حتى أروى التراب.

ثم انصرفنا عنه راجعين إلى بغداد، فخرج الناس إلى لقائه، ومريدوه في جملة الناس، فلم يروه، فسألوا عنه، فعرفناهم بما جرى، فمات من مريديه جماعة كثيرة حزنا عليه وأسفا، وجعل الناس يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى أن يرده عليهم وغلقت الرباطات، والزوايا والخوانق، ولحق الناس حزن عظيم فأقمنا سنة كاملة، وخرجت مع بعض أصحابي نكشف خبره، فأتينا القرية، فسألنا عن الشيخ، فقيل لنا: إنه في البرية يرعى الخنازير، قلنا: وما السبب في ذلك؟ قالوا: إنه خطب الجارية من أبيها، فأبى أن يزوجها إلا ممن هو على دينها ويلبس العباءة ويشد الزنار، ويخدم الكنائس ويرعى الخنازير، ففعل ذلك كله، وهو في البرية يرعى الخنازير. قال الشبلي: فانصدعت قلوبنا، وانهملت بالبكاء عيوننا، وسرنا إليه، وإذا به قائم قدام الخنازير، فلما رآنا نكس رأسه، وإذا عليه قلنسوة النصارى، وفي وسطه زنار، وهو متوكئ على العصا التي كان يتوكأ عليها إذا قام إلى المحراب، فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، فقلنا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت