يا شيخ ما ذاك وماذا وما هذه الكروب والهموم بعد تلك الأحاديث والعلوم؟ فقال: يا إخواني وأحبابي ليس لي من الأمر شيء ، سيدي تصرف في كيف شاء، وحيث أراد أبعدني عن بابه بعد إن كنت من جملة أحبابه، فالحذر الحذر يا أهل وداده من صده وإبعاده، والحذر الحذر يا أهل المودة والصفاء من القطيعة والجفاء، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: يا مولاي ما كان ظني فيك هذا، ثم جعل يستغيث ويبكي ونادى: يا شبلي اتعظ بغيرك.
فنادى الشبلي بأعلى صوته: بك المستعان وأنت المستغاث، وعليك التكلان. إكشف عنا هذه الغمة بحلمك، فقد دهمنا أمر لا كاشف له غيرك، قال: فلما سمعت الخنازير بكاءهم، وضجيجهم أقبلت إليهم وجعلت تمرغ وجوهها بين أيديهم وزعقت زعقة واحدة دويت منها الجبال.
قال الشبلي: فظننت أن القيامة قد قامت، ثم إن الشيخ بكى بكاء شديدا. قال الشبلي: فقلنا له هل لك أن ترجع معنا إلى بغداد؟ فقال: كيف لي بذلك، وقد استرعيت الخنازير بعد أن كنت أرعى القلوب؟ فقلت يا شيخ كنت تحفظ القرآن وتقرأه بالسبع فهل بقيت تحفظ منه شيئا؟
فقال: نسيته كله إلا آيتين، فقلت: وما هما؟ قال: قوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ}
والثانية قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ}
فقلت: يا شيخ كنت تحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل تحفظ منها شيئا؟ قال: حديثا واحدا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» .
قال الشبلي: فتركناه، وانصرفنا، ونحن متعجبون من أمره، فسرنا ثلاثة أيام وإذا نحن به أمامنا قد تطهر من نهر وطلع، وهو يشهد شهادة الحق، ويجدد إسلامه، فلما رأيناه لم نملك أنفسنا من الفرح والسرور، فنظر إلينا، وقال: يا قوم اعطوني ثوبا طاهرا، فأعطيناه ثوبا، فلبسه،