خرجت إلى مكة حاجا، فبينما أنا سائر إذ رأيت شابا ساكتا لا يذكر الله تعالى، فلما جن الليل رفع وجهه نحو السماء وقال: يا من لا تسره الطاعات، ولا تضره المعاصي، هب لي ما لا يسرك، واغفر لي ما لا يضرك. ثم رأيته بذي الحليفة وقد لبس إحرامه والناس يلبون وهو لا يلبي، فقلت هذا جاهل، فدنوت منه، فقلت له يا فتى، قال:
لبيك، قلت له: لم لا تلبي؟ فقال يا شيخ: وما تغني التلبية، وقد بارزته بذنوب سالفات وجرائم مكتوبات، والله أني لأخشى أن أقول لبيك، فيقول لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك، ولا انظر إليك، فقلت له:
لا تقل ذلك، فإنه حليم إذا غضب رضي، وإذا رضي لم يغضب، وإذا وعد وفى ومتى توعّد عفا، فقال يا شيخ أتشير عليّ بالتلبية؟ قلت: نعم، فبادر إلى الأرض واضطجع ووضع خده على التراب وأخذ حجرا فوضعه على خده الآخر، وأسبل دموعه وقال: لبيك اللهم لبيك قد خضعت لك وهذا مصرعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة، ثم مضى، فما رأيته إلا بمنى وهو يقول: اللهم إن الناس ذبحوا ونحروا، وتقربوا إليك، وليس لي شيء أن أتقرب به سوى نفسي، فتقبلها مني ثم شهق شهقة وخرّ ميتا رحمة الله تعالى عليه.
وحكي أنه كان بمدينة بغداد رجل يعرف بأبي عبد الله الأندلسي، وكان شيخا لكل من بالعراق وكان يحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقرأ بجميع الروايات، فخرج في بعض السنين إلى السياحة، ومعه جماعة من أصحابه مثل الجنيد والشبلي وغيرهما من مشايخ العراق.
قال الشبلي: فلم نزل في خدمته، ونحن مكرمون بعناية الله تعالى إلى أن وصلنا إلى قرية من قرى الكفار فطلبنا ماء نتوضأ به، فلم نجد، فجعلنا ندور بتلك القرية، وإذا نحن بكنائس وبها شمامسة، وقساوسة
ورهبان، وهم يعبدون الأصنام، والصلبان، فتعجبنا منهم ومن قلة عقلهم.
ثم انصرفنا إلى بئر في آخر القرية، وإذ نحن بجوار يستقين الماء على البئر وبينهن جارية حسنة الوجه ما فيهن أحسن ولا أجمل منها وفي عنقها قلائد الذهب.