فذكرت لها القصة إلى أن قلت لها أشم ريحهم، فصاحت أواه أواه قد بلغ والله الشم، ثم شهقت شهقة خرجت روحها فخرج إليها بنات أتراب عليهن مرقعات ومروط، فكفلن أمرها وتولين دفنها وهن مستترات رضوان الله على الجميع.
(شعر) :
يا نسيما هبّ من وادي قبا ... خبريني كيف حال الغربا
كم سألت الدهر أن يجمعنا ... مثل ما كنّا عليه فأبى
وحكي أن رجلا كان يعرف بدينار العيّار وكان له والدة صالحة تعظه وهو لا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة، فأخذ منها عظما، فتفتت في يده، ففكر في نفسه وقال: ويحك يا دينار كأني بك وقد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا، فندم على تفريطه وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ألقيت إليك مقاليد أمري فاقبلني وارحمني.
ثم أقبل نحو أمه متغير اللون منكسر القلب، فقال:
يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ قالت:
يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يديه وقدميه، فقال: أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير، وغلّين وافعلي بي كما يفعل بالعبد الآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني ففعلت به ما أراد، فكان إذا جنّ عليه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه: ويحك يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار، ولا يزال كذلك إلى الصباح.
فقالت له أمه: يا بني أرفق بنفسك، فقال: دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا، يا أماه إن لي غدا موقفا طويلا بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل أو إلى شر مقيل، قالت: يا بني خذ لنفسك راحة، قال:
لست للراحة أطلب، كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار مع أهلها، فتركته وما هو عليه.
فأخذ في البكاء والعبادة وقراءة القرآن، فقرأ في بعض الليالي فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92 عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 93
ففكر فيها وجعل يبكي حتى غشي عليه، فجاءت أمه إليه، فنادته، فلم يجبها، فقالت له: يا حبيبي وقرة عيني أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف يا أماه: إن لم تجديني في عرصات القيامة، فاسألي مالكا خازن النار عني، ثم شهق شهقة، فمات رحمه الله تعالى.
فغسلته أمه وجهزته، وخرجت تنادي: أيها الناس هلموا