في الجواب عدم الخروج عما هو الظاهر والبحث فيما اقتضته العادة فقد قال فِي"الانتصاف"بعد نقل الإيراد وذكر القاعدة: وقد وجدت الأمر فِي ذلك مختلفاً فلم يثبت لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء} [الأحزاب: 32] فنفى عن الكامل شبه الناقص لأن الكمال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ومنه أيضاً {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] انتهى.
وتمام الكلام فِي هذا المقام ما ذكره بعض المحققين أنه إذا دخل نفي بلا أو غيرها، أو ما فِي معناه على تشبيه مصرح بأركانه، أو ببعضها احتمل معنيين تفضيل المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى كقولك ليس زيد كحاتم فِي الجود ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك وقوله:
طرف الخيال ولا كليلة مدلج ... ووقع فِي شروح"المقامات"وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وأن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري فِي قوله:
غدوت ولا اغتداء الغراب ... وعِيب قول صاحب"التلويح"فِي خطبته: نال حظاً من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار، ومبنى الاعتراض على هذا، ولعله ليس بلازم كما أشار إليه صاحب"الانتصاف"بما أورد منه الآيات، ومما أورده الثعالبي من خلافه أيضاً فِي كتابه"المنتخب"فلا حسن ولا القمر، وجواد ولا المطر على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أن ما ورد فِي النفي بلا المعترضة بين الطرفين لا فِي كل نفي انتهى. وهو كما قال: من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 3 صـ 135}